عبد الرحمن يسأل هذا ويسأل ذاك عن الذي يريدونه، وأخيراً يقول: «ما سألت عربيّاً إلّا وقال: علي، وما سألت قرشيّاً إلّا وقال: عثمان»[1].
ومعنى هذا أنّ جماهير المسلمين كانت تقول: علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وعشيرة واحدة معيّنة كانت تريد أن تغصب الحكم من الامّة كانت تقول: عثمان؛ لأنّ عثمان كان تكريساً لعمليّة النهب، بينما عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) كان تعبيراً وتأكيداً لوجود الامّة في الميدان، ولهذا أرادته الامّة، وأرادت العشيرة عثمان.
ثمّ جاء عثمان، وفي دوره تكشّفت المؤامرة أكثر وامتدّت أكثر، أصبحت العشيرة تحكم وتقول بكلّ وقاحة بأنّ «المال مالنا، والأرض أرضنا، والخراج خراجنا؛ إن شئنا أعطينا وإن شئنا حرمنا»[2]، لكنْ كان كلّ هذا خارج نطاق الدستور؛ لأنّ الصيغة في الدستور هي الصيغة الإسلاميّة، وهي أنّ المال مال الله[3]، والناس سواسية كأسنان المشط[4].
[1] « قال عمّار: إن أردتَ ألّا يختلف المسلمون فبايع عليّاً، فقال المقداد بن الأسود: صدق عمّار، إن بايعت عليّاً قلنا: سمعنا وأطعنا. قال ابن أبي سرح: إن أردت ألّا تختلف قريش فبايع عثمان» تاريخ الامم والملوك( الطبري) 232: 4- 233.
[2] ربما يقصد( قدّس سرّه) ما قاله عثمان لعامل صدقات المسلمين على سوق المدينة:« إنّما أنت خازنٌ لنا، فإذا أعطيناك فخذ، وإذا سكتنا عنك فاسكت. فقال: كذبت والله! ما أنا لك بخازن ولا لأهل بيتك، إنّما أنا خازن المسلمين» تاريخ اليعقوبي 168: 2. أو لعلّه يشير إلى قول سعيد بن العاص:« إنّما هذا السواد بستانٌ لأغيلمة من قريش» الطبقات الكبرى 23: 5؛ أنساب الأشراف 433: 5؛ تاريخ الامم والملوك( الطبري) 323: 4؛ الكامل في التاريخ 139: 3.
[3] وهو المفهوم الذي كرّسه عليٌّ( عليه السلام) في كتابه إلى الأشعث بن قيس:« وإنّ عملك ليس لك بطعمة، ولكنّه أمانة في عنقك، والمال مال الله، وأنت من خزّاني عليه حتّى تسلّمه إليّ إن شاء الله، وعليّ أن لا أكون شرَّ ولاتك» الإمامة والسياسة 111: 1. وانظر: نهج البلاغة: 183، الخطبة 126. وقد تحوّل معاوية عن مفهوم عثمان إلى مفهوم علي( عليه السلام)، ولكنّه أراد من ذلك« أن يحتجنه دون المسلمين» على ما ذكره ابن السوداء لأبي ذر، فراجع: تاريخ الامم والملوك( الطبري) 283: 4.
[4] البيان والتبيين 14: 2؛ من لا يحضره الفقيه 379: 4، الحديث 5798؛ الاختصاص: 341.