كيف انصهروا؟
انظر إلى أهل بلدٍ واحدٍ، ينزح إليهم أهلُ بلدٍ آخر، يأتون إليهم ليقاسموا هؤلاء خيراتِ بلادهم ومعاشَهم وأموالَهم[1]، بل حتّى نساءهم[2]، وهؤلاء يستقبلونهم برحابة صدر، ينطلقون معهم، ينظرون إليهم [على] أنّهم إخوة لهم، يعيشون مجتمعاً واحداً وكأنّهم كانوا قد عاشوا [معاً][3] مئات السنين.
هذه الانفتاحات العظيمة في كلّ ميادين المجتمع التي حقّقتها الامّة بقيادة الرسول (صلّى الله عليه وآله)، هذه الانفتاحات لا مثيل لها، وبالرغم من كلّ هذا نقول بأنّ الامّة لم تكن معصومة، وإنّ كلّ هذه الانفتاحات كانت قائمةً على أساس الطاقة الحراريّة التي كانت تمتلكها الامّة من لقاء القائد الأعظم، ولم تكن قائمةً على أساس درجةٍ كبيرةٍ من الوعي الحقيقي للرسالة العقائديّة.
الامّة الإسلاميّة بين الطاقة الحراريّة والتوعية النبويّة:
نعم، كان الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله) يمارس عمليّة توعية الامّة، وعمليّة الارتفاع بالامّة إلى مستوى امّةٍ معصومة. هذه العمليّة- التي كانت مضغوطة، والتي بدأ بها النبي (صلّى الله عليه وآله)- لم ينجز شيئاً منها في هذا الخطّ، إنّما الشيء الذي انجز في هذا الخطّ- في خطّ عمل النبي (صلّى الله عليه وآله) على مستوى الامّة ككلّ، وليس على مستوى أفرادٍ معدودين- هو إعطاء الامّة طاقةً حراريّةً من الإيمان بدرجةٍ كبيرةٍ جدّاً، هذه الطاقة الحراريّة التي كانت تمتلكها الامّة يوماً بعد
[1] « قال رسول الله[( صلّى الله عليه وآله)] للأنصار: إنّ إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا: أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله[( صلّى الله عليه وآله)]: أو غير ذلك؟، قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: هم قومٌ لا يعرفون العمل، فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر، قالوا: نعم» البداية والنهاية 228: 3- 229.
[2] قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف حين قدم المدينة وآخا بينهما رسول الله( صلّى الله عليه وآله):« أي أخي! أنا أكثر أهل المدينة مالًا، فانظر شطرَ مالي فخذه، وتحتي امرأتان، فانظر أيّهما أعجب إليك حتّى أطلّقها لك» أنساب الأشراف 31: 10.
[3] ما بين عضادتين أضفناه للسياق.