والأهداف والاعتبارات العظيمة، استنزلها من مستواها الغائم المبهم، من مستواها الغامض العقلي، من مستوى النظريّات العموميّة، أعطاها معالمَ الحسّ التي لا ينفعل الإنسان[1]– كما قلنا- بقدر ما ينفعل بها.
فبهذا تصبح هذه الصورة المحسوسة التي هبطت على النبي، على أيّ نبيٍّ من الأنبياء، تصبح هذه الصورة ملءَ وجوده، ملء روحه، ملء كيانه، تصبح همَّه الشاغل له، ليله، نهاره؛ لأنّها هي أمامه، هو يراها، هو يحسّها، هو يلمسها ويشمّها أروع[2] ممّا نلمس ونشمّ ونسمع ونبصر.
النبي هو الحسّ المربّي للآخرين:
ثمّ هذا الشخص الذي استطاع أن يربّيَه الحسُّ القائم على الوحي يصبح هو حسّاً مربّياً للآخرين؛ فالآخرون من أبناء البشريّة الذين لم تُتِح لهم ظروفهم وملابساتهم وعناية الله أن يرتفعوا هم إلى مستوى هذا الحسّ، الذين لم يُتَح لهم هذا الشرف العظيم، سوف يُتاح لهم الحسّ، لكن بالشكل غير المباشر، حسٌّ بالحسّ، لا حسّ بالحقيقة الإلهيّة مباشرة، حسٌّ بالمرآة، الحقيقة الإلهيّة- أقصد من الحقيقة الإلهيّة، يعني: المُعطى الإلهي، الثقافة الإلهيّة- الثقافة الإلهيّة انعكست على هذه المرآة، والآخرون يحسّون بهذه المرآة، بينما النبي نفسه كان يحسُّ مباشرةً بتلك الثقافة الإلهيّة بما هي أمرٌ حسّي، لا بما هي أمرٌ نظري.
أمّا نحن، نحسُّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) بما هو رجلٌ عظيم، بما هو رجل استطاع أن يثبت للبشريّة أنّ هناك اعتباراً وهدفاً فوق كلِّ المصالح والاعتبارات، فوق كلِّ الأنانيّات، فوق كلِّ الأمجاد المزيّفة والكرامات المحدودة، أنّ هناك إنسانا
[1] من المناسب هنا تقديرُ:« بشيءٍ».
[2] في المحاضرة الصوتيّة:« بأروع».