وهكذا خرج الإسلام على مستوى النظريّة سليماً من الانحراف، وإن تشوّهت معالم التطبيق.
ويمكنني أن أذكر بهذا الصدد مثالًا جزئيّاً، ولكنّه يعبِّر عن مدى الجهود التي بذلها الأئمّة (عليهم السلام) في سبيل الحصول على هذا المكسب، مكسبِ خروج الإسلام- على المستوى النظري- سليماً من الانحراف.
تصوّروا أيّها الإخوة: أنّ الإمام موسى بن جعفر (سلام الله عليه) سجينٌ قد هدَّ السجنُ صحّتَه وأذاب جسمه، حتّى أصبح حين يسجد لربّه كالثوب المطروح على الأرض[1]، فيدخل عليه رسول الزعامة المنحرفة[2] فيقول: «إنّ الخليفة يعتذر إليك ويأمر بإطلاق سراحك، على أن تزوره وتعتذر إليه أو تطلب رضاه»، فيشمخ الإمام وهو يجيب بالنفي بكلِّ صراحة[3]، ويتحمّل مرارة الكأس إلى الثُّمالة؛ لا لشيءٍ إلّا لكي لا يحقّق للزعامة المنحرفة هدفها في أن يباركَ الإمامُ خطَّها، فتنعكس معالم التشويه من التطبيق المنحرف على الرسالة نفسها.
6- تمويل الامّة رساليّاً وفكريّاً ومقاومة التيّارات الفكريّة الخطرة:
وتمثّل الدور الإيجابي للأئمّة في تمويل[4] الامّة العقائديّة بشخصيّتها الرساليّة والفكريّة من ناحية، ومقاومة التيّارات الفكريّة التي تشكّل خطراً على الرسالة وضربها في بدايات تكوّنها من ناحية اخرى.
وللإمام من علمه المحيط المستوعب ما يجعله قادراً على الإحساس بهذه البدايات الخطرة، وتقدير أهمّيّتها ومضاعفاتها، والتخطيط للقضاء عليها.
[1] الأمالي( الصدوق): 146، الحديث 18؛ عيون أخبار الرضا( عليه السلام) 106: 1، الحديث 10.
[2] وهو يحيى بن خالد البرمكي، وفي المصدر أنّه كان يتولّى الكاظم( عليه السلام) وهارون لا يعلم ذلك.
[3] كتاب الغيبة( الطوسي): 24؛ مناقب آل أبي طالب 290: 4. وانظر: تاريخ اليعقوبي 414: 2.
[4] كذا في المحاضرة الصوتيّة، وفي( إ):« تموين».