مع كلّ مشاعره وعواطفه.
فكان لا بدّ من أن يُستَنزل ذاك العقل على مستوى الحسّ، لا بدّ أن تُستَنزل تلك المعقولات على مستوى الحسّ، وحيث إنّ هذا ليس بالإمكان أن يعمل مع كلّ الناس؛ لأنّه ليس كلّ إنسان مهيّأً لهذا، ولهذا اختصّ بهذه العمليّة اناسٌ معيّنون أوجد الله تبارك وتعالى فيهم الحسَّ القائدَ الرائد، هذا الحسّ ربّاهم هم أوّلًا وبالذات، ثمّ خلق حسّاً ثانويّاً، وجوداً حسيّاً ثانويّاً، هذا الوجود الحسّي الثانوي كان هو المربّي للبشريّة.
استنزال القيم العقليّة إلى مستوى المحسوسات:
أظنُّ أنّ الوقت انتهى، أنا أيضاً تعبت، لكن على أيّ حال نختم هذا الحديث الآن بضرورة الاستفادة من هذه الفكرة، يعني: لئن كانت القيم والمثل والأهداف والاعتبارات، إذا بقيت عقليّةً محضةً، فهي سوف تصبح قليلة الفهم، ضعيفة الجذب بالنسبة إلى الإنسان، وكلّما أمكن تجسيدها حسّيّاً أصبحت أقوى، وأصبحت أكثر قدرةً على الجذب والدفع.
إذا كان هذا حقّاً، فيجب أن نخطّط لأنفسنا، ونخطّط في علاقتنا مع الآخرين على هذا الأساس، يجب أن نخطّط في أنفسنا على هذا. يعني: أن لا نكتفي بأفكار عقليّة نؤمن بها، نضعها في زاوية عقلنا كإيمان الفلاسفة بآرائهم الفلسفيّة، لا يكفي أن نؤمن بهذه القيم والمثل إيماناً عقليّاً صرفاً، بل يجب أن نحاول أن نستنزلها إلى أقصى درجة ممكنة من الوضوح الحسّي.
طبعاً، نحن لا نطمع أن نكون أنبياء، لا نطمع أن نحظى بهذا الشرف العظيم الذي انغلق على البشريّة بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولكن مع هذا: (الوضوح) مقولٌ بالتشكيك على حسب اصطلاح المناطقة[1].
[1] « التشكيك عند المنطقيّين: كونُ اللفظ موضوعاً لأمرٍ عامٍّ مشتركٍ بين الأفراد لا على السواء، بل على التفاوت» كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم 447: 1.