الخيانة الثالثة: خيانة عبيدالله بن عبّاس:
ثمّ أرسل ابن عمّه عبيد الله بن عباس مع اثني عشر ألف نسمةٍ على أكثر الروايات، ووصل إلى مسكن، وهناك تعلمون بأنّه ترك المعسكر وذهب إلى خطّ معاوية بن أبي سفيان[1].
كان لمثل هذه التراجعات، لمثل هذه الخيانات المتلاحقة المتتابعة أثرُها المشؤوم في تلك النفوس المليئة بالشكّ، المليئة بالتردّد.
أنتم تصوّروا نفوساً كانت بصورة مسبقة مليئةً بالشكّ والتردّد والتريّث[2]، ثمّ تقع مثل هذه الخيانات الناتجة عن مثل ذلك الشكّ، فسوف يتعمّق- لا محالة- هذا الشكّ. هذا الشكّ كلّما يتّخذ صورةً إيجابيّةً يكون لهذه الصيغة الإيجابيّة ردُّ فعلٍ نفسيٌّ في الشُكّاك؛ بحيث يزيد [درجة][3] الشكّ عندهم أكثر.
وهكذا كان، فعاش جيش الإمام الحسن في مسكن وهو يفقد بالتدريج القوى المقاتلة، حتّى بلغ عدد الهاربين من جيش الإمام الحسن في مسكن ثمانية آلاف من اثني عشر ألفاً، بقي من اثني عشر ألف واحد أربعةُ آلاف، والإمام الحسن كان وقتئذٍ في المدائن، وتصل إليه الأخبار، وتنعكس هذه الأخبار على جيشه في المدائن أنّه فرّ اليوم مئة، فرّ خمسمائة، فرّ ألف، فر
[1] « ثمّ دعا عبيدالله بن العبّاس بن عبد المطّلب فقال له: يا ابن عمّ! إنّي باعثٌ إليك اثني عشر ألفاً .. وسر بهم على شط الفرات حتى تقطع بهم الفرات ثمّ تصير إلى مسكن، ثمّ امض حتى تستقبل بهم معاوية» شرح نهج البلاغة 40: 16.
[2] قال الشيخ المفيد( رحمه الله):« ثمّ خفّ معه أخلاط من الناس: بعضهم شيعةٌ له ولأبيه( عليه السلام)، وبعضهم محكّمة[/ خوارج] يؤثرون قتال معاوية بكلّ حيلة، وبعضهم أصحاب فتن وطمع في الغنائم، وبعضهم شكّاك، وبعضهم أصحاب عصبيّة اتّبعوا رؤساء قبائلهم لا يرجعون إلى دين» الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد 10: 2.
[3] ما بين عضادتين مشوّش في المحاضرة الصوتيّة، وقد أثبتناه من( غ) و( ه-)، وإن كان ليس كذلك حتماً.