وضمن إطار التفكير الجاهلي في كلّ ما كانوا يفكّرون فيه [أو يعملون فيه][1] أو يتألّمون منه، في كلّ مجالاتهم الاجتماعيّة ومجالات أهدافهم ومجالاتهم الفكريّة والعقائديّة، كانوا يعيشون الإطار الجاهلي بكلّ معناه، بعد هذا دخلوا في الإسلام.
ولا نريد أن نتحدّث عن طبيعة دخولهم في الإسلام. لنفترض أنّ دخولهم في الإسلام كان دخولًا حسناً، وأنّهم عاشوا مع النبي (صلّى الله عليه وآله) عيشةً حسنة، ولكنّ بذور الجاهليّة لم تُستأصل من أفكارهم وعقولهم؛ بدليل أنّهم- بالرغم من عيشهم مع النبي (صلّى الله عليه وآله)، وبالرغم من الادّعاء بالاستئثار بلطف النبي (صلّى الله عليه وآله)، بالرغم من كلّ هذا- كانوا بين حينٍ وآخر يعلنون عن تقاليد وتصوّراتٍ ترتبط بالوضع الذي كانوا يعيشونه قبل الإسلام:
أ- احتجاج الخليفة الثاني على متعة الحجّ:
احتجاج الخليفة الثاني مثلًا على متعة الحجّ؛ فبالرغم من أنّ متعة الحجّ عملٌ عباديٌّ خالصٌ لا يرتبط بأيّ مصلحةٍ من مصالح الدنيا المعلومة، وبالرغم من أنّ الإنسان العاقل لا يستطيع أن يدرك بعقله أيّهما أحسن: هل الأحسن العمرة المستمرّة إلى الحجّ؟ أو العمرة المتحلّل منها التي يأتي بعدها الحجّ؟ هذا العمل العبادي الذي لا تستطيع عقولنا أن تفضّل فيه بين الطريقتين اللتين يمكن أن يؤدّى بهما ..
هنا عمر لم يتأثّر في احتجاجه بعقله؛ لأنّه لا محلّ للعقل في التفضيل في هذا المقام، وإنّما تأثّر بطبيعة تربيته وعاداته وتقاليده. وحيث إنّ الجاهليّة
[1] ما بين عضادتين من( غ) و( ف).