لحظة الانتصار هذه لم تزعزع من خُلقه، من وضعه، لم تخلق فيه نشوة الانتصار، وإنّما خلقت فيه ذُلّ العبوديّة، شعر بذلّ العبوديّة أكثر ممّا شعر بنشوة الانتصار[1]. هذا هو الذي يمثّل الوعي العظيم، لكنّ المسلمين عاشوا نشوة الانتصار[2].
في لحظاتٍ عديدة، لحظات الصدمة، لحظات المشكلة، لحظات المأساة، الواعي يبقى صامداً أمام المشكلة لا يتزعزع، لا يلين ولا يتراخى، يبقى على خطّه واضحاً.
النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يكن يبدو عليه أيُّ فرقٍ بينه وهو داخلٌ مكّةَ فاتحاً، وبينه وهو مطرود في الحجاز من قبائل العرب المشركين. يتوجّه إلى الله سبحانه وتعالى يقول له:
«لا يهمّني ما يصنع هؤلاء إذا كنت راضيا عنّي»[3].
نفس الروح التي نجدها في لحظة انقطاعه، في لحظة مواجهته البشريّةَ التي تحمل ألوان الشرور، في لحظة تمرّد الإنسان على هذا الوجه الذي[4] جاء ليُصلحه. لم تتبدّل حالته هذه اللحظة وبين حالته والإنسانيّة تستجيب[5]، والإنسانيّة تخضع، والإنسانيّة تُطأطئ رأسها بين يديه، بين يدي القائد العظيم (صلّى الله عليه وآله).
[1] « دخل رسول الله[( صلّى الله عليه وآله)] يومئذٍ وعليه عمامة سوداء، ورايته سوداء، ولواؤه أسود، حتّى وقف بذي طوى وتوسّط النّاس، وإنّ عثنونه[/ لحيته] ليمسّ واسطة الرّحل أو يقرب منه تواضعا لله تعالى حين رأى ما رأى من فتح الله وكثرة المسلمين، ثمّ قال: العيش عيش الآخرة» المغازي 824: 2.
[2] « وأعطى رسول الله[( صلّى الله عليه وآله)] رايته سعد بن عبادة وهو أمام الكتيبة، فلمّا مرّ سعد براية النبي[( صلّى الله عليه وآله)] نادى: يا أبا سفيان! اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشاً» المغازي 2: 821.
[3] « اللهمّ إليك أشكو ضعف قوّتي وقلّة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين! أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهّمنى؟ أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟ إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكنّ عافيتك هي أوسع لي» السيرة النبويّة( ابن هشام) 420: 1.
[4] كذا في( ف) و( غ)، وفي( م):« هذا الذي».
[5] المراد:« لم تتبدّل حالته بين هذه اللحظة وبين اللحظة التي كانت فيها الإنسانيّة تستجيب».