فرق بين عربيٍّ وعجمي[1].
هذا كانوا يسمعونه كفكرةٍ من النبي (صلّى الله عليه وآله)، ولكن لم يكونوا يرونه مجسّداً في المجتمع، في علاقاتهم، بحيث إنّ إنساناً عجميّاً وإنساناً عربيّاً عاشا مجتمعاً واحداً بصورةٍ متكافئة، وإنّما هي مجرّد فكرةٍ لم يتيسّر لهؤلاء أن يحقّقوها، وأن يتولّوا تحقيقها في هذه المرحلة الدقيقة من التجربة الإسلاميّة.
ولذا- وبطبيعة الحال- سوف تحصل لهم بعد النبي (صلّى الله عليه وآله) انخفاضاتٌ فكريّة وعاطفيّة تجعلهم دون مستوى تحقيق فكرة المجتمع العالمي، وقد تكون بذرةً صغيرةً جدّاً في عهدٍ ما، وقد تكون هذه البذرة تكبر بعد هذا وتصبح بلاءً كبيراً وشرّاً مستطيراً، [و] كلّكم تعلمون بأنّ في التاريخ أمثلةً كثيرةً على هذا:
العهدة على التاريخ في النقل: أنّ عمر بن الخطّاب أعفى نصارى العرب في العراق من الجزية. العرب الذين كانوا موجودين في العراق أعفاهم من الجزية وكلّفهم بالزكاة، لماذا؟ عاتبوه، قالوا له: إنّ الجزية فيها شأن الذلِّ، فلا ندفع الجزية؛ لأنّنا عرب، قال لهم: إذاً فادفعوا الزكاة، وأمر بأخذ المال منهم بعنوان الزكاة[2].
طبعاً لم تكن الزكاة أصغر من الجزية؛ لأنّ المشرك يدفع الجزية والمسلم يدفع الزكاة، غاية الأمر: كانت الجزية- بحسب نفسها- علاقةً فيها مهانة[3]، عمر بدّل الجزية بالزكاة.
هذه البذرة- الصغيرة جدّاً والطفيفة- لم تطبّق إلّا على عشيرةٍ واحدةٍ لا أكثر من عشائر النصارى في العراق، هذه البذرة على مرّ الزمن تأتي بالشر
[1] البيان والتبيين 24: 2؛ الاختصاص: 341.
[2] الجامع الصغير 126: 1؛ كتاب الأموال 37: 1؛ المحلّى 112: 6؛ المبسوط( السرخسي) 178: 2.
[3] إشارة إلى قوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ( التوبة: 29).