الحسّ.
نحن لا نعرف حضارةً انقطعت عن السماء ثمّ ربّاها العقل، بل كلّ الحضارات التي عرفها تاريخ النوع البشري إلى يومنا هذا، إلى حضارة الإنسان الاوروبي اليوم التي تحكم العالم ظلماً وعدواناً، كلُّ هذه الحضارات التي انقطعت عن السماء ربّاها الحسُّ ولم يربّها العقل؛ لأنّ الحسّ هو المربّي الأوّل دائماً.
فكان لا بدّ لكي يمكن تربية الإنسان على أساس الحسّ- لكن على أساس حسٍّ يبعث في هذا الإنسان إنسانيّته الكاملة، الممثّلة لكلّ جوانب وجوده الحقيقيّة-، كان لا بدّ من خلق حسٍّ في الإنسان، هذا الحسّ يدرك تلك القيم والمثل والمفاهيم، يدرك التضحية في سبيل تلك القيم والمثل إدراكاً حسّيّاً، لا إدراكاً عقلانيّاً بقانون الحسن والقبح العقليّين فقط، بل يدركها كما ندرك محسوساتنا، مسموعاتنا ومبصراتنا.
وهذا معنى ما قلناه من أنّ ضرورة الإنسانيّة، ضرورة الإنسان في خطّ التربية، تفرض أن يودَعَ في طبيعة تكوينِه وخلقِه أرضيّة، هذه الأرضيّة صالحةٌ لأنْ تكوِّنَ مِثْلَ هذا الحسّ، لأنْ تكوّن حسّاً بحسن العدل، بقبح الظلم، بآلام المظلومين، أنْ تكوّن حسّاً بكلّ ما يمكن للعقل وما لا يمكن للعقل إدراكُه[1] من قيمٍ ومثلٍ واعتبارات.
وهذه الأرضيّة أو هذا الاستعداد الكامن[2] الذي كان لا بدّ من خلقه في طبيعة الإنسان، هذا الاستعداد هو استعداد الوحي، هو استعداد الارتباط المباشر بالله سبحانه وتعالى؛ لكي تنكشف كلُّ السحب، كلّ الستائر، عن كل
[1] في المحاضرة الصوتيّة:« من إدراكه».
[2] في( غ) و( ف):« الكامل»، والظاهر من المحاضرة الصوتيّة ما أثبتناه، وقد تقدّمت الإشارة إليه سابقاً.