وكانت أكثر المعاجز هي معاجز على مستوى الحسّ، أكثر معاجز الأنبياء كانت معاجز على مستوى الحسّ؛ لأنّ الإنسان يتأثّر بهذا المستوى أكثر ممّا يتأثّر بأيّ مستوىً آخر.
إذاً، فالإنسان- بحسب طبيعة جهازه المعرفي وتكوينه النظري- خُلق حسيّاً أكثر منه عقليّاً، خُلق متفاعلًا مع هذا المستوى المنخفض من المعرفة أكثر ممّا هو متفاعل مع المستوى النظري المجرّد من المعرفة، وهذا يعني أنّ الحسّ أقدرُ على تربية الإنسان من النظر العقلي المجرّد.
لو ترقّى الإنسان إلى نظره العقلي المجرّد وإلى حسّه المجرّد- يعني إلى ما يتّفق له من حسّ، وما يتّفق له من نظر- فسوف يسيطر الحسُّ عليه أكثر ممّا يسيطر عليه النظر، سوف يهيمن عليه حسّه ويحتلُّ من جوانب وجوده وشخصيّته وأبعاد مشاعره وعواطفه وانفعالاته أكثر ممّا يحتلّ العقلُ، المفهومُ النظريُّ المجرّد.
الحسّ هو المربّي الدرجة الاولى لإنسانٍ هذا مزاجُه وهذا وضعُه. والعقل هو المربّي الدرجة الثانية لإنسانٍ هذا وضعه وهذا مزاجه.
بناءً على هذا، كان لا بدّ للإنسانيّة من حسٍّ مُربٍّ زائداً على العقل والمدركات العقليّة الغائمة الغامضة، التي تدخل إلى ذهن الإنسان في[1] قوالب غير محدّدة وغير واضحة، ومكتنفة بدرجة كبيرة من الغموض والضباب .. إضافةً إلى هذه القوالب، كان لا بدّ لكي يربّى الإنسان على أهداف السماء، على مجموعةٍ من القيم والمُثُل والاعتبارات، كان لا بدّ من أن يكون له مربٍّ حسّي، كان لا بدّ من أن يربّى على أساس الحسّ، وهذا هو السبب في أنّ أيّ إنسانٍ وأيَّ حضارةٍ وأيّ مَدَنيّةٍ انقطعت عن السماء لم يربِّها العقل، بل ربّاها
[1] في( غ) و( ف):« ذا» بدل« في»، وهو ما يبدو من المحاضرة الصوتيّة، ولعلّ المراد ما أثبتناه.