المنحرفة، دخلوا في صراعٍ معها يحملون بأيديهم مشعلَ تلك النظريّة الإسلاميّة للحياة الاجتماعيّة بكلّ بهائها ونورها وجمالها وكمالها، ولم يكونوا يستهدفون من هذا أن يعيدوا خطَّ التجربة؛ لأنّ المؤسف- وهذا ما سوف نتحدّث عنه في يومٍ آخر، في يومٍ عن أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام)[1]– أنّ خطّ التجربة لم يكن بالإمكان أن يعود مرّة اخرى إلى الاستقامة بعد أن انحرف، لم يكن الصراع السياسي يستهدف في المقام أن يعيد التجربة إلى خطّها المستقيم وعلى المدى الطويل الطويل[2]، لم يكن هذا هو الهدف الآني للصراع السياسي، وإنّما كان الهدف الآني للصراع السياسي هو أن يُسمعوا المسلمين، يُسمعوا الشعوبَ الجديدة، ويُوعّوا الشعوب الاخرى التي كانت، يوعّوها على النظريّة الحقيقيّة للإسلام عن الحياة، عن المجتمع، عن الدولة، عن الاقتصاد، عن السياسة، عن الاخوّة، عن التعامل والتعاضد … ما هو مفهوم الإسلام في كلّ هذه المجالات يجب أن يبيَّن للناس، يجب أن توضع هذه النظريّة في ذهن الناس.
صحيح أنّ هذه النظريّة كانت موجودةً في القرآن، وكانت موجودةً في
[1] راجع على وجه الخصوص المحاضرات: السادسة والسابعة والثامنة.
[2] وذلك في المدى المنظور وفي ظلّ القيادة غير المعصومة؛ بقرينة تعبيره( قدّس سرّه) ب-« الهدف الآني»، ولهذا يأتي منه بعد قليل:« أنّ عود التجربة الإسلاميّة إلى الخطّ المستقيم على المدى البعيد البعيد لم يكن بالإمكان أصلًا»، كما يأتي في المحاضرة الثامنة أنّ« أمير المؤمنين( عليه السلام) حينما تولّى الحكم لم يكن يستهدف من تولّي الحكم تحصين التجربة أو الدولة بقدر ما كان يستهدف تقديم المثل الأعلى للإسلام؛ لأنّه كان يعرف أنّ التناقضات في الامّة الإسلاميّة بلغت إلى درجةٍ لا يمكن معها أن ينجح عمل إصلاحي إزاء هذا الانحراف». ولا يقصد( قدّس سرّه) المدى غير المنظور؛ ف-« الحدُّ على المدى الطويل يجب أن يعالج عن طريق التوعية على الخطّ الطويل» كما تقدّم في هذه المحاضرة. وسيأتي أيضاً في المحاضرة السادسة أنّ« الأمر الأوّل الذي كان الأئمّة يمارسونه في حياتهم هو محاولة القضاء على الانحراف الموجود في تجربة المجتمع الإسلامي، وإرجاع التجربة إلى وضعها الطبيعي؛ وذلك بإعدادٍ طويلِ المدى»، وأنّ الظروف الموضوعيّة« تجعل في قدرة الإمام المعصوم أن يحاول إعادة التجربة الإسلاميّة إلى وضعها الطبيعي ووضعها الصحيح». كما سيأتي في المحاضرة السابعة أنّه:« لا بدّ من العمل لتسلّم زمام هذه التجربة»، فلاحظ.