وإنزال الكتب بوجود اختلاف يجب أن يعالج عن طريق الرسالة السماويّة، كما يدلّ على ذلك قوله تعالى: «وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ». وهذا الاختلاف الذي ارسل الأنبياء لمعالجته غير الاختلاف الذي نتج عن ظهور النبوّات والأديان في حياة الإنسان، والذي أشار إليه في الآية الكريمة بقوله تعالى: «وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ». وهذه نقطة جديرة بالدرس أيضاً، إذ قد تبدو الآية على شيء من الغرابة، لأنّها ذكرت أنّ الناس كانوا قبل إرسال الأنبياء وإنزال الكتب امّة واحدة، فمن أين وجد هذا الاختلاف الذي انزل الكتاب وبعث النبيّون لمعالجته؟
والجواب المقبول عن هذا السؤال هو أن تكون الوحدة التي مرّت بها البشريّة هي بنفسها سبباً للاختلاف، مثاراً للتفرّق، فما هي تلك الوحدة التي تكون بطبيعتها مؤدّية إلى الاختلاف والتفرّق؟
ونحن إذا عرفنا هذه الوحدة نستطيع أن نفهم السبب في تفريع بعث النبيّين وإنزال الكتاب على تلك الوحدة، فإنّ تفريع ذلك على الوحدة إنّما هو بوصفها سبباً للاختلاف.
***
وتذوب المشكلة إذا عرفنا أنّ تلك الوحدة التي مرّت بها البشريّة في مطلع الحياة الاجتماعيّة هي الوحدة الفطريّة، لا وحدة الضلال ولا وحدة الهدى، كما يدلّ على ذلك ما جاء في الحديث عن الإمام الصادق حين سأله سائل عن البشر: «أفضلّالًا كانوا قبل النبيّين أم على هدى؟ فأجاب: لم يكونوا على هدى، كانوا على فطرة اللَّه التي فطرهم عليها لا تبديل لخلق اللَّه، ولم يكونوا ليهتدوا حتّى يهديهم اللَّه، أما تسمع بقول إبراهيم: «لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِن