نتائج الانكماش في الهدف:
إنّ الانكماش في الهدف وأخذ المجال الفردي للتطبيق بعين الاعتبار فقط نجم عنه انكماش الفقه من الناحية الموضوعيّة، فقد أخذ الاجتهاد يركّز باستمرار على الجوانب الفقهيّة الأكثر اتّصالًا بالمجال التطبيقي الفردي، وأهملت المواضيع التي تمهّد للمجال التطبيقي الاجتماعي نتيجة لانكماش هدفه واتّجاه ذهن الفقيه حين الاستنباط غالباً إلى الفرد المسلم وحاجته إلى التوجيه بدلًا عن الجماعة المسلمة وحاجتها إلى تنظيم حياتها الاجتماعيّة.
وهذا الاتّجاه الذهني لدى الفقيه لم يؤدّ فقط إلى انكماش الفقه من الناحية الموضوعيّة، بل أدّى بالتدريج إلى تسرّب الفرديّة إلى نظرة الفقيه نحو الشريعة نفسها، فإنّ الفقيه بسبب ترسّخ الجانب الفردي من تطبيق النظريّة الإسلاميّة للحياة في ذهنه واعتياده أن ينظر إلى الفرد ومشاكله، عكس موقفه هذا على نظرته إلى الشريعة، فاتّخذت طابعاً فرديّاً وأصبح ينظر إلى الشريعة في نطاق الفرد وكأنّ الشريعة ذاتها كانت تعمل في حدود الهدف المنكمش الذي يعمل له الفقيه فحسب، وهو الجانب الفردي من تطبيق النظريّة الإسلاميّة للحياة.
ولأذكر مثالين من الاصول والفقه تجدون خلالهما كيف تسرّبت الفرديّة من نظرة الفقيه إلى هدفه إلى نظرته للشريعة نفسها:
أمّا المثال الاصولي فنأخذه من بحوث دليل الانسداد الذي يعرض الفكرة القائلة بأ نّنا ما دمنا نعلم بأنّ في الشريعة تكاليف، ولا يمكننا معرفتها بصورة قطعيّة فيجب أن يكون المتّبع في معرفتها هو الظنّ. إنّ هذه الفكرة يناقشها الاصوليّون قائلين: لماذا لا يمكن أن نفترض أنّ الواجب على المكلّف هو الاحتياط في كلّ واقعة بدلًا عن اتّخاذ الظنّ مقياساً؟ وإذا أدّى التوسّع في