محمد باقر الصدر قدس سره، ج17، ص: 376
جوامع فكريّة منقطعة، وإنّما جاؤوا هداة موجّهين للحياة الإنسانيّة، وناشرين للنور والهدى والفكر الحيّ في أرجاء العالم. فلكي نسير في هذا الموكب ونكسب شرف الانتماء إليه يجب أن نكتسب منهم نفس النظرة إلى العالم، ونخترع أهدافاً كبيرة، وأن نحسّ في أعماقنا أ نّنا دعاة قبل كلّ شيء، وأ نّنا علماء؛ لأنّ الدعوة تتطلّب منّا أن نكون علماء.
[كيف نتوغّل في البحث العلمي؟]
أمّا كيف تتطلّب منّا الدعوة أن نكون علماء؟ وكيف تفرض علينا التوغّل في البحث العلمي؟ فهذا ما نختلف فيه عن أصحاب الاتّجاه الثاني، فإنّنا نرى أنّ العلم والتوغّل فيه إلى أبعد مدى ضرورة من ضروراتنا في طريق أهدافنا الكبرى. ولنأخذ المثال نفسه، ذاك المثال الذي يوجّهه أصحاب الاتّجاه الثاني ويقولون: إذا فرضنا شخصاً مُني بمريض، فهل يحاول أن يسعفه فوراً، أم يحاول أن يتشاغل عن إسعافه في التفلسف في كتاب القانون .. نقول في هذا المثال ذاته: ماذا يصنع هذا الشخص الذي مني بمريض لو لم يكن يملك النظريّة الواضحة المحدّدة لشفاء مرض المريض؟ أليس الإسعاف يقوم على أساس نظريّة علميّة في الطبّ، أم هو عمل عمياوي يمارسه الإنسان بدون هدى أو بصيرة؟ أليس من المنطقي والمعقول أن يبدأ هذا الشخص بتحويل نظريّة يقوم على أساسها الإسعاف؟ وليس معنى هذا أن يقعد هذا المريض حتّى ينتهي بحثه العلمي بالنظريّة، بل أن يتخطّى المراحل العلميّة النظريّة، وإلى جانب ذلك يستخدم كلّ جزء وصل إليه من تلك النظريّة في مجال الإسعاف وإنقاذ المريض. فخطّ الإسعاف هنا يكون مواكباً لخطّ البحث عن النظريّة واقتناصها، فهو في وقت واحد يمارس العمل النظري العلمي، وينزل بمكاسب هذا العمل العلمي النظري إلى مستوى التطبيق، إلى مستوى