بلد من بلاد إيران: في يوم من الأيّام جاء تلامذته في الوقت المقرّر فحدّثوه عن أسباب المأساة القاتلة التي تساقط فيها مئات من المؤمنين في مفارز البلد الطيّب خراسان صرعى بأيدي الطغاة في قضيّة خراسان المعروفة. كان الاستاذ يستمع إلى الحديث استماعاً سلبيّاً هادئاً، حتّى إذا انتهى التلامذة من حديثهم حول المأساة بادرهم قائلًا: أين انتهينا في البحث عن الحقيقة الشرعيّة؟ دون أن يعلّق أو دون أن يواكب هؤلاء التلامذة في انفعالاتهم إلّاقراءة بحث الحقيقة الشرعيّة في كتاب (القوانين). إنّ الاتّجاه الذي يمثّله هذا الاستاذ في القوانين هو الاتّجاه الأوّل الذي يحاول أن يخصّص الفقيه للعلم ويجرّده للبحث النظري، ويقطع صلته بواقع الحياة الخارجيّة؛ لأنّها خارج نطاق عمله.
[الاتّجاه الثاني:]
وأمّا أصحاب الاتّجاه الثاني فيقولون: إنّ العلم والتوغّل في طريقه السائد والتعمّق في أساليبه ليس إلّالوناً من ألوان الترف الفكري والتسلية العقليّة، في وقت نحن نعيش فيه محنة الوجود الإسلامي الذي تعصف به تيّارات الحضارات الكافرة من كلّ صوب وحدب. إنّ الامّة مريضة وهي بحاجة إلى إسعاف لا إلى تفلسف، وأيّ إنسان عاقل إذا أحسّ بخطورة في مرض الشخص الذي ينتمي إليه ويتفاعل معه فإنّه سوف يبادر إلى أساليب الإسعاف العمليّة فوراً، ولا يتشاغل بدلًا عن ذلك في حلّ ألغاز كتاب الشفاء أو القانون للشيخ الرئيس أبو علي سينا في الفلسفة أو الطبّ.
[انحراف كلا الاتّجاهين:]
هذان الاتّجاهان كلاهما منحرف، وكلاهما خطأ؛ لأنّ أحدهما يركّز على