النظريّة ويهمل التطبيق رأساً، والآخر يحاول ممارسة التطبيق بدون مشعل، بدون النظريّة التي تنير الطريق. إنّ النظريّة بدون تطبيق هي العلم بلا عمل، الذي يشبّه في الروايات بالشجر بلا ثمر. والتطبيق الأعمى بدون نظريّةٍ محدودةٍ واضحةٍ مدروسةٍ في أبعادها الفكريّة وفي أعماقها هو الذي يمارسه عادةً الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كلّ ناعق. إنّنا بحاجة إلى التوغّل في البحث العلمي، ولكن لا على حساب الواقع وبالابتعاد عن مشاكل الإسلام وآلام الامّة وآمالها؛ لأنّنا دعاة قبل أن نكون علماء، ونحن علماء في صفّ الدعوة كما كان الأنبياء والأوصياء، ونحن بحاجة إلى النظر إلى الواقع وحماية الإسلام في خضمّ هذا المعترك الذي تعيشه الامّة، ولكن لا على حساب العلم وبإلغاء التوسّع في البحث، والتعمّق في العمل الشخصي. إنّنا أصحاب نظريّة ولسنا أشخاصاً عمياويّين نريد أن نمارس عملًا غير قائم على أساس من رصيد. نحن لا نمارس أ يّها الإخوة قوانين روائيّة مجمّدة، بل نمارس نظريّة للحياة، فيجب أن نكون على صلة وثيقة بالحياة، وأن لا ننشئ لأنفسنا عزلة عن العالم الذي نعيشه لكي ينير لنا الجوّ الخالص الفكري، ونحن على صعيد الحياة لا نمارس عملًا غوغائيّاً، بل نحاول تغيير أوضاع الامّة وإنارة العالم بنور الإسلام، وهذا ما يجعلنا أحوج ما نكون إلى تفتّح جدّي واستيعاب علمي عميق.
إنّنا لا نقرّ استاذ القوانين المتقدّم الذكر على تلك الانفصاليّة عن مشاكل الامّة وأوضاع الإسلام؛ لأنّ هذه الانفصاليّة تجرّد العمل الفكري من إطاره الإسلامي وصلته بالحياة، وتجعله مجرّد نظريّات محنّطة وهواية فكريّة. إنّ هذه الانفصاليّة تجعلنا نسير في خطّ المختلسين للعلم، لا في موقف الأنبياء والأوصياء؛ فإنّ الأنبياء والأوصياء الذين كانوا في موكب السماء على وجه الأرض على مرّ الزمن لم يكونوا مختلسين للعلم، ولم يجيئوا ويبعثوا مدلّسين في