هذه القصّة سواء كانت قد وقعت بالفعل أم لم تقع فهي رمز بدون شكّ إلى روحيّة الاتّجاه الثاني ومنطق الاتّجاه الثاني، وتعكس بوضوح سلبيّة الاتّجاه الثاني في الموقف العملي، وشعور أصحاب هذا الاتّجاه بأ نّه لا يحسب للدنيا حساب في حياتهم العمليّة. هذان الاتّجاهان يختلفان كلّ الاختلاف كما ترون أ يّها الأعزّة.
[الاتّجاه الثالث:]
وهناك اتّجاه ثالث عاش معهما بين الاتّجاهين على طول التاريخ، نجد أيضاً له نظائر وشواهد، كما نجد للاتّجاهين السابقين شواهدهما ونظائرهما، على اختلاف في شواهد ونظائر هذا الاتّجاه من حيث درجة الوعي، ومستوى التفكير، وإقبال [الناس]، والقابليّات، ومدى النظر الذي يتمتّع به هذا الاتّجاه، ومن ينسب إلى هذا الاتّجاه.
إنّ هذا الاتّجاه يختلف عن كلا الاتّجاهين السابقين: فهو يأخذ من الاتّجاه الثاني جوهر روحه، ويرفض سلبيّته، ويأخذ من الاتّجاه الأوّل طبيعته الإيجابيّة في العمل، ويرفض مقاييسه وروحه ومنطقه؛ فبينما فتح الاتّجاه الأوّل عينيه وقلبه معاً للدنيا، وبينما أغلق الاتّجاه الثاني عينه وقلبه معاً عن الدنيا، يقف هذا الاتّجاه فاتحاً عينه للدنيا موجّهاً قلبه إلى الرسالة وأهداف الرسالة وواقع المسؤوليّة التي تحدّد تلك الأهداف.
هذا الاتّجاه يعترض على كلا الاتّجاهين السابقين: فهو يناقش منطق الاتّجاه الأوّل ومقياسه وقاعدته في السلوك والعمل، فيقول: صحيح ما يقولونه من أنّ المتديّن بوصفه متديّناً هو بالخيار في دائرة المباحات، إن شاء فعل وإن شاء ترك، ما دام لم يرتكب معصية صريحة في دائرة الواجبات والمحرّمات، هذا صحيح، ولكن هذا الشيء الصحيح إنّما ينسجم ويتّفق مع المتديّن الاعتيادي الذي