الاتّجاه الأوّل يجد من مغريات الدنيا مبرّراً للاستجابة لها ما دام لا يخرج عن دائرة المباحات. والاتّجاه الثاني يجد من وضاعة الدنيا وتفاهتها ومحدوديّة غاياتها وأشواطها ما يترفّع عن الانسياق معه ومواكبته والمشي في خطّه.
الاتّجاه الأوّل يفتح عينيه وقلبه للدنيا معاً. والاتّجاه الثاني يغمض عينيه وقلبه عن الدنيا معاً.
يقال في تاريخ هذه البناية التي نباحث فيها في كلّ يوم صباحاً ومساءً[1] إنّ شخصاً من العلماء الأبرار كان يسكنها، وهو الشخص المعروف بالمقدّس الأردبيلي رضوان اللَّه عليه، هذا الشخص الذي نظر إلى الدنيا من أعلى، فترفّع عنها وعن كلّ ما فيها وما تزخر به من متع وشهوات. هذا الرجل العظيم كان يسكن في هذه البناية بالذات على ما يقال في تاريخها.
يقال إنّه قدس سره استيقظ لصلاة الصبح أو لصلاة الليل، أراد أن يستسقي من البئر ماءً ليتوضّأ به فخرج الدلو مملوءاً ذهباً، فألقى بالذهب كلّه إلى قاع البئر، وكرّر العمليّة فتكرّرت النتيجة هكذا ثلاث مرّات، وهو يقول: ما شأني والذهب؟ أنا اريد ماءً أتوضّأ به. إنّ هذا الرجل لم يكن يجد له شأناً من النظر؛ لأنّه نظر إلى الدنيا من أعلى فأحسّ بواقع زيف الذهب، ولم يستطع الذهب- بالرغم من كلّ قوّته وإغرائه ولمعانه- أن يخطف أبصار هذا الرجل العظيم، أو أن يزلزل قلبه، أو أن يخطف منه عقله، أو أن يسرق منه روحه، فبقي ينظر إلى هذا الذهب وهو يلمع أمامه كما ينظر إلى كومة من الحديد، بل إنّه انزعج منه وتضايق؛ لأنّه منعه أو حال بينه وبين الماء، بين الماء الذي يريده ليتطهّر به، لكي يتهيّأ لمناجاة ربّه، للعبادة التي عاش لها وتعشّقها وشعر بلذّتها واستصغر كلّ اللذّات في مقابل تلك اللذّة.
[1] مراده قدس سره: مقبرة المغفور له آية اللَّه الشيخ محمّد حسن آل ياسين رحمه الله