به كلّما اتّسع في تنفيذه، حتّى أصبح هذا المقياس هو الحاكم المطلق في كلّ شؤون حياته، دون فرق بين دائرة ودائرة أو مجال ومجال.
[الاتّجاه الثاني:]
وهناك أ يّها الأعزّة اتّجاه آخر يناقض هذا الاتّجاه كلّ المناقضة ويقف بصورة مقابلة له تماماً. هذا الاتّجاه ينظر أصحابه إلى الدنيا من أعلى، ينظرون إليها من أعلى، من قمّة الجبل، فيشيرون بوضوح وبجلاء إلى كلّ ما في هذه الدنيا من محدوديّة وزيف وفراغ. وهم ينظرون إليها من أعلى يعصمون أنفسهم من التأثّر بمغرياتها، والاستجابة لدوافعها، والانصياع مع جذبها الأكيد في كلّ ميادين ومجالات مساعيها. وعلى هذا الأساس يقفون منها موقفاً سلبيّاً، ويرون أنّ الدنيا كميّة مهملة في حسابهم لا تميد إليها هممهم ولا يرتبط بها شأنهم؛ لأنّهم أعلى من هذه الزخارف والسفاسف؛ لأنّهم يعيشون مع اللَّه في جوٍّ من المناجاة والانطلاق الروحي والانقطاع إلى اللَّه تعالى، [الذي] يشغلهم عن تلك الزخارف والسفاسف التي ألهت الأوّلين وجذبتهم، وجعلت منهم اناساً يركضون وراء مصالحهم الشخصيّة.
إنّ منطق هؤلاء يتلخّص في أنّ هذه الدنيا، بمحدوديّتها وزيفها وما يكتنفها من فتنة وشدائد ومصاعب، وما يتمخّض عنها من زوال، وما يلابسها من أخطار، أنّ هذه الدنيا ليست جديرة بالاهتمام.
وهكذا نجد- أ يّها الأعزّة- أنّ هذين الاتّجاهين يختلفان اختلافاً كبيراً في طبيعة نظرتهما إلى صلتهما بالدنيا، ويختلفان اختلافاً كبيراً نتيجة لذلك في موقفهما العملي من الدنيا.
الاتّجاه الأوّل يقف موقفاً إيجابيّاً، والاتّجاه الثاني يقف موقفاً سلبيّاً.