الاحتياط إلى الحرج فيسمح لكلّ مكلّف بأن يقلّل من الاحتياط بالدرجة التي لا تؤدّي إلى الحرج[1].
انظروا إلى الروح الكامنة في هذا الافتراض وكيف سيطرت على أصحابه النظرة الفرديّة إلى الشريعة، فإنّ الشريعة إنّما يمكن أن تأمر بهذا النوع من الاحتياط لو كانت تشريعاً للفرد فحسب، وأمّا حيث تكون تشريعاً للجماعة وأساساً لتنظيم حياتها فلا يمكن ذلك بشأنها؛ لأنّ هذا الفرد أو ذاك قد يتمّ سلوكه كلّه على أساس الاحتياط، وأمّا الجماعة كلّها فلا يمكن أن تقيم حياتها وعلاقاتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والتجاريّة والسياسيّة على أساس الاحتياط.
وأمّا المثال الفقهي فنأخذه من الاعتراض الشهير الذي أثاره الفقهاء حول قاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، إذ قالوا إنّ هذه القاعدة تنفي وجود أيّ حكم ضرري في الإسلام، بينما نجد في الإسلام أحكاماً ضرريّة كثيرة، كتشريع الديات والقصاص والضمان والزكاة، فإنّ في تشريع هذه الأحكام إضراراً بالقاتل الذي يكلّف بالدية وبالقصاص، وإضراراً بالشخص الذي يتلف مال غيره، إذ يكلّف بضمانه، وإضراراً بصاحب المال الذي يكلّف بدفع الزكاة[2].
إنّ هذا الاعتراض يقوم على أساس النظرة الفرديّة إلى التشريع، فإنّ هذه النظرة هي التي أتاحت لهم أن يعتبروا هذه الأحكام ضرريّة، بينما لا يمكن أن تعتبر هذه الأحكام ضرريّة في شريعة تفكّر في الفرد بوصفه جزءاً من جماعة ومرتبطاً بمصالحها، بل إنّ خلوّ الشريعة عن تشريع الضمان والضرائب يعتبر أمراً ضرريّاً.
وقد كان من نتائج ترسّخ النظرة الفرديّة قيام اتّجاه عامّ في الذهنيّة الفقهيّة
[1] انظر فرائد الاصول 1: 384؛ فوائد الاصول 3: 228
[2] انظر: بحوث في علم الاصول 5: 471