التجربة المريرة التي عاشتها في عصر ما بعد الاستعمار بأنّ الإسلام كلّ لا يتجزّأ وأنّ التطبيق الفردي للنظريّة لا يمكن أن يفصل بحال عن التطبيق الاجتماعي لها أو أن يظلّ ثابتاً إذا تعطّل التطبيق على الصعيد الاجتماعي.
كلّ هذا ساعد على تحويل حركة الاجتهاد عند الإماميّة إلى حركة مجاهدة في سبيل حماية الإسلام وتثبيت دعائمه، وقوّة مطالبة بتطبيق الإسلام على كلّ مجالات الحياة. وكان من الطبيعي نتيجة لذلك أن توسّع نطاق هدفها وتبدأ بالنظر إلى مجالي التطبيق الفردي والاجتماعي معاً، وهذا ما نلحظ بداياته بوضوح في الواقع المعاصر لحركة الاجتهاد عند الإماميّة وما تمخّض عنه من محاولات التعبير عن نظام الحكم في الإسلام أو عن المذهب الاقتصادي في الإسلام ونحو هذا وذاك من ألوان البحث الاجتماعي في الإسلام.
وما دامت الامّة في حالة الارتفاع وقد بدأت تعي الإسلام بوصفه رسالتها الحقيقيّة في الحياة، والتقت بحركة الاجتهاد عند الإماميّة ضمن هذا المفهوم الرسالي الشامل للإسلام، فمن الطبيعي التأكيد على أنّ التطوّر في الهدف الذي تتبنّاه حركة الاجتهاد واتّساع هذا الهدف لمجالات التطبيق الاجتماعي للنظريّة سوف يستمرّ ويبلغ أقصاه تبعاً لنموّ الوعي في الامّة ومواصلة الحركة لخطّها الجهادي في حماية الإسلام.
ولكي نتنبّأ في ضوء ذلك بالاتّجاهات المستقبلة للاجتهاد التي سوف تنجم عن التطوّر في الهدف، لا بدّ أن نرجع إلى ما قبل بدايات هذا التطوّر لندرس الآثار التي عكسها الانكماش في الهدف الذي عاشته حركة الاجتهاد، وما أدّى إليه هذا الانكماش من اتّجاهات في حركة الاجتهاد، لنستطيع أن ندرك الاتّجاهات المستقبلة التي تحلّ محلّها حينما يستكمل التطوّر أو التوسّع في الهدف أبعاده المنتظرة.