دراسة سريعة تتطلّب شيئاً من التبسيط والاختصار كهذه الدراسة أن نستوعب المدلول الاجتماعي الكامل للآية، وإنّما نتناول جانباً واحداً عالجت فيه الآية نقطة أساسيّة في البحث التاريخي تتّصل بفجر التاريخ ومطلع الحياة الاجتماعيّة، في قوله تعالى: «كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً». وعلى ضوء ما جاء عن الإمام الصادق عليه الصلاة والسلام في تفسير هذا الجانب القرآني من الآية نستطيع أن نحدّد المفهوم الإسلامي عن مطلع الإنسانيّة وحياتها الاجتماعيّة الاولى. فالإنسانيّة كانت امّة واحدة ثمّ اختلفت، فما هي هذه الوحدة التي اكتنفت البشريّة في عهدها الأوّل؟ وما هي طبيعتها؟ وكيف تفتّتت؟ وما هي العوامل في نشوئها وزوالها؟
***
إنّ البشريّة كانت امّة واحدة في معيشتها وحياتها، ولم تنزل الشرائع الإلهيّة إلّا بعد أن تفسّخت هذه الوحدة ودبّ الخلاف في مختلف مرافق الحياة الإنسانيّة. فإرسال الأنبياء بالكتب والشرائع كان مرحلة متأخّرة عن ذلك الدور الذي عاشت فيه البشريّة امّة واحدة، فماذا كانت تعني تلك الوحدة؟ إنّها ليست وحدة الهداية والحقّ، إذ لو كان البشر امّة واحدة مجتمعة على الحقّ والهداية، لما كان ضروريّاً بعد ذلك إرسال الأنبياء الذي نشأ عنه الاختلاف والتفرّق كما يدلّ عليه قوله: «وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ». فلماذا الرسالات والمرسلون إذا كانت شريعة الحقّ هي الشريعة الاجتماعيّة للبشر؟!
كما أ نّه لا يستقيم- مع الآية- أن نفترض تلك الوحدة البشريّة الاولى وحدة ضلال وبغي، لأنّ المفهوم من الآية الكريمة أنّ الاختلاف القائم على أساس البغي والضلال إنّما حصل بعد إرسال الأنبياء وإنزال الكتب.
ومن ناحية اخرى: إذا لاحظنا الآية الكريمة نجد أ نّها تبرّر إرسال الأنبياء