الشعور في عمله، في جهاده، في تطبيقه، بعد أن يكون قد وصل إلى المرحلة التي يكون مدعوّاً فيها إلى المساهمة في خدمة الدين .. يكون قد فرغ وجدانه وضميره نهائيّاً من ذلك الشعور الذي عاشه وهو في طريقه من القرية إلى النجف، وهو في طريقه من المدينة إلى النجف، تلك الأحلام والآمال، تلك التصوّرات الكبيرة الضخمة الروحيّة التي كان يعيشها وهو في طريقه إلى مهجره العظيم، تلك التصوّرات تعود كلّها خواءً، تعود كلّها فراغاً؛ لأنّها بعد أن جُمّدت وأصبحت شعوراً إجماليّاً بعد هذا فقدت أيّ غذاء وإمداد متّصل حتّى تمزّقت، وهذا هو معنى نسيان اللَّه تعالى، وأنتم كلّكم تعرفون أنّ من ينسى اللَّه ينساه اللَّه، من ينقطع عن اللَّه ينقطع عنه اللَّه سبحانه وتعالى.
ألم يقل اللَّه (صانع وجهاً واحداً يكفيك الوجوه كلّها)[1]؟ نحن اليوم نرى أنّ الوجوه كلّها ساخطة علينا متبرّمة بنا. إنّما كانت ساخطة علينا متبرّمة بنا لأنّنا لم نصانع وجهاً واحداً حتّى يكفينا ذاك الوجه الواحد الوجوه كلّها، نحن لم نشعر خلال حياتنا العمليّة بأ نّنا مرتبطون ارتباطاً حقيقيّاً باللَّه تعالى، وأ نّنا مدعوّون من قبله سبحانه وتعالى إلى بذل كلّ وجودنا وإمكانيّاتنا في سبيله، هذا الشعور حيث إنّنا لم نعشه، لم نصانع وجهاً واحداً، ولمّا كنّا لم نصانع وجهاً واحداً لم يكفنا الوجوه كلّها.
أفضلنا، أشطرنا هو من صرف قواه وطاقاته في سبيل أن يصانع هذا الوجه، وهذا الوجه، وهذا الوجه، وعمليّة مصانعة الوجوه بشكل فردي هذا لا يمكن أن يؤدّي إلّاإلى نتيجة فرديّة. وأمّا من صانع ذلك الوجه العظيم الذي بيده ملكوت
[1] هذه الكلمة للحكماء. قال اويس القرني:« ما سمعتُ كلمةً كانت للحكماء أنفع لي من قولهم: صانع وجهاً واحداً يكفك الوجوه كلّها»( مجموعة ورّام 2: 113)