ووجدانه سوف يبقى فارغاً كما كان فارغاً حينما كان ابن القرية، أو ابن المدرسة، أو ابن المعمل الذي جاء منه إلى هذه الحوزة.
وهذا الفراغ في الضمير والوجدان الذي يعيشه هذا الإنسان- حتّى إذا أصبح ثريّاً من الناحية العقليّة- هذا الفراغ سوف يميّع بالتدريج شعوره بالارتباط باللَّه؛ لأنّ هذا الشعور لن يجد ما يُنمّيه وما يُغذّيه لا نظريّاً ولا عمليّاً.
أمّا نظريّاً فلأ نّه لا يأخذ من النظريّات إلّاما يرتبط باستنباط الأحكام الشرعيّة، والنظريّات التي يستنبط على أساسها الحكم الشرعي غذاء للعقل لا للوجدان والضمير.
وأمّا عمليّاً فلأ نّه لا يعيش تجربة للاتّصال باللَّه تعالى. لا يعيش حياة عمليّة وإنّما يعيش حياة مدرسيّة خالصة، وهذه الحياة المدرسيّة الخالصة التي يعيشها كثيراً ما تكون مشوبة أيضاً بالمبعّدات عن اللَّه تعالى، قد تكون أحياناً مشوبة بكثير من الذنوب التي تبعد الإنسان عن اللَّه تعالى وتميّع صلته به.
فما يمضي عليه برهة من الزمن حتّى تكون جذوة ذلك الشعور التفصيلي قد انطفأت بعد أن تكون قد تحوّلت إلى ارتكاز. يعني في بداية الأمر يتحوّل شعوره التفصيلي إلى شعور مبهم غامض يختفي في الأعماق وتتراكم عليه مشاعر اخرى لا ترتبط باللَّه. هذه المشاعر الاخرى تستورد من أهواء البيئة، من طبيعة البيئة، من الملابسات والتعقيدات غير الصالحة التي يعيشها في البيئة، تتراكم هذه المشاعر الثانويّة غير الطاهرة ويبقى ذاك الشعور النظيف يبقى في الأعماق شعوراً مبهماً غامضاً باهتاً.
ثمّ بعد مضيّ زمن يتلاشى ذاك الشعور، يتلاشى حتّى كقاعدة، ويتمزّق، ويعوّض عنه شعور آخر، بعد أن يكون هذا الطالب قد قضى مرحلة طويلة من حياته العلميّة، بعد أن يكون قد أصبح مهيّأً من الناحية العلميّة لكي يجسّد ذلك