من ناحية الظرف كذلك أيضاً يا إخوان، يا أعزّاء: قد يذنب إنسان ذنباً، قد يرتكب خطيئة، قد يتكاسل عن عمل، قد يحطّم عمل العاملين، لكن في أيّام الرخاء، اللَّه يغفر له. لكن إذا صار البناء عليه في أيّام الشدّة، في أيّام المحنة، في أيّام المصيبة التي تأكل كلّ هذا الوجود وكلّ هذا الكيان، إذاً ماذا يكون حاله؟!
أنا بودّي حقيقةً أنّ كلّ واحد منّا منفرداً ومجتمعاً أن يفكّر في هذه المسألة. يعني هذه مسألة حياتيّة بالنسبة إلينا، مسألة أساسيّة. على الأقلّ حينما نموت نموت طاهرين، بعد هذا لا نموت ونحن ملوّثون. نفكّر على الأقلّ حينما نخرج من الدنيا نخرج من الصالحين، لا أن نخرج من الدنيا ونحن عبيد الدنيا. فلنخرج من الدنيا ونحن فوق الدنيا، لا أن نخرج من الدنيا ونحن دائماً نعيش الدنيا في همومنا، في آلامنا، في خطايانا.
وإلى متى نعيش في هذه الدنيا حتّى نؤخذ بهذه الدنيا؟! وماذا بقي من هذه الدنيا حتّى نعيش في هذه الدنيا؟ غير العيش الخسيس، على حدّ تعبير الإمام الحسين عليه السلام[1].
إذاً لا ينبغي أن يكون هذا العيش الخسيس هو شغلنا الشاغل، هو همّنا في الليل والنهار، هو هدفنا في كلّ أوجه النشاط، لا ينبغي أن يكون هذا العيش الخسيس هو هدفنا وإلّا لكنّا أذلّ الناس واقعاً، كما إنّنا أذلّ الناس ظاهراً. بينما إذا غيّرنا الهدف، إذا جعلنا الهدف هو اللَّه، سوف نكون أعزّ الناس ولو كنّا أذلّ الناس ظاهراً.
بلال كان أعزّ الناس، ولو كان أذلّ الناس ظاهراً. كان يعذّب، كانت الصخرة توضع على قلبه، كان يعذّب وهو يقول: «أحدٌ أحد»[2]. كان أعزّ الناس،
[1] بحار الأنوار 44: 192
[2] شرح نهج البلاغة 13: 255