هذا الاتّجاه الثالث يفتحون عيونهم للدنيا ويفتحون قلوبهم للرسالة والأمانة، وحينما يوزّعون عيونهم وقلوبهم هذا التوزيع يصبحون قادرين على مواصلة العمل، عمل الأنبياء والأوصياء. وهنا يكمن الخطر، ومن هنا تبدأ المتاعب والمصاعب، ذلك أنّ الإنسان الداعية المبلّغ الذي يمثّل الاتّجاه الثالث قد قضي عليه بمنطق هذا الاتّجاه أن يفتح عينه للدنيا، وهذا معناه أ نّه قد قضي عليه أن يواجه الدنيا بكلّ مغرياتها وشهواتها، وأن يمارس العمل على صعيد الدنيا بكلّ ما في هذا الصعيد من أخطار وألوان ومتاعب ومشاكل، أي أ نّه فرض عليه أن يعيش في المنزلق، ولكنّه في نفس الوقت فرض عليه أن لا ينزلق؛ لأنّ قلبه الموجّه لإرادته هو ملك الرسالة لا ملك الدنيا.
انظروا إلى هذا الموقف الحرج، انظروا إلى موقف شخص قدّر عليه دائماً في خطّ حياته أن يعيش في المنزلق وكلّف بأن لا ينزلق، إنّها المحنة، إنّه الامتحان الذي إن نجح فيه المرء كان من الصدّيقين، كان من أصحاب محمّد وعليّ عليهما السلام، وإن سقط فيه المرء ثبت بذلك أ نّه لا تتوفّر فيه الشروط الصحيحة الكاملة لأن يمثّل الخطّ الثالث.
وبودّي أن اوضّح هذا الموضوع بشكل أوسع فأقول: إنّ المبلّغ الذي يحمل الرسالة ويريد أن يشقّ لها الطريق في عالم الدنيا، في عالم الناس الذي هو مجال التبليغ، حينما يريد أن يشقّ للرسالة طريقاً، يشقّ في نفس الوقت طريقاً لنفسه، وهذا معناه أنّ طريق الرسالة هو طريق الرسول أو طريق القائد أو طريق المبلّغ، وطريق الرسالة هو طريق من حمل هذه الرسالة، اتّحدت طبيعة انتصارات الرسالة مع انتصارات الشخص، وانتصارات الشخص مع انتصارات الرسالة، التقت إلى حدّ كبير مصالح الشخص مع مصالح الرسالة، ومصالح الرسالة مع مصالح الشخص، هذا يعني: أنّ عمليّة التبليغ يمتزج فيها قطبان، يمتزج فيها عنصران: