مراحل هذه المهمّة وأكثرها إيجابيّة في الوصول إلى الهدف المنشود؛ ذلك أنّ وضع دستور يستمدّ كلّ بنوده وفصوله من الإسلام بنحو يكفل تنظيم كلّ جوانب الحياة الإنسانيّة المعاصرة وإشباع كلّ ما تتطلّبه من حاجات على مستوى العصر ليس بالأمر الهيّن اليسير؛ إذ الموسوعات الفقهيّة وكتب الفتاوى التقليديّة- كما تعلمون- لا تتضمّن ما يمكن طرحه مباشرة دستوراً شاملًا للدولة ونظاماً متكاملًا لحياة الامّة، لأنّها من ناحية لا تستوعب كلّ ما يحتاجه إنسان اليوم من علاج فقهي وقانوني لمشاكله الحياتيّة، وإذا ما استوعب جانباً منها أحياناً فبشكلٍ ناقص ومحدود ينسجم مع ظروف غير باقية على حالها. ومن ناحية اخرى إنّها تعبّر عن اجتهادات قد مارسها وفتاوى قد استنبطها من مصادر الشريعة الأوّليّة المتمثّلة في الكتاب والسنّة فقهاء عاشوا في فترة زمنيّة سابقة لا تتطابق في الظروف والملابسات المدنيّة والاجتماعيّة والفكريّة مع حياتنا المعاصرة ومشاكلها وحاجاتها، فأصبح تطبيقها- خصوصاً وقد اغلق باب الاجتهاد منذ زمن بعيد عند أكثر المذاهب الإسلاميّة- غير قادر على تحقيق تلك الآمال العريضة التي يصبو إليها المخلصون من أبناء هذه الامّة العاملون في سبيل إعادة مجدها وعزّتها بالإسلام. لأنّ تطبيقها حرفيّاً كثيراً ما لا ينسجم مع الظروف المستمدّة أو لا تفي بإشباع كلّ الحاجات، وتركها إلى الأنظمة الوضعيّة الحديثة أو تطعيمها بشيء منها خروج عن حكم اللَّه سبحانه وتعالى إلى حكم الإنسان، وسقوط في الازدواجيّة بين الإسلام والكفر، وهو عين النفاق والارتداد «فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً»[1]. هنالك تبرز الحاجة القصوى أمام المتصدّين لوضع صيغة دستوريّة
[1] النساء: 65