ماذا نقصد من القول إنّ هذا السبب الأعمق لا يمكن الاستدلال عليه حسّيّاً بل عقليّاً؟
إنّنا نريد بذلك أنّ الإدراك الحسّي لا يمكن أن ينصبّ على هذا السبب كما ينصبّ على الظاهرة الطبيعيّة التى ندركها في مجال خبرتنا الحسّيّة، ولكنّ هذا لا يعني عدم إمكان إثبات هذا السبب بالاستقراء والتجربة العلميّة، تماماً كما يثبت بالتجربة والاستقراء أيّ قانون علمي آخر. فالعالم الطبيعي في مجال تفسير ظاهرة طبيعيّة واستنتاج خلفيّتها أو القانون الطبيعي الذي يحكمها، يستعين بمجموعة من التجارب الحسّيّة لاستنتاج ذلك القانون، وما يقع في خبرته الحسّيّة إنّما [هو] المحتوى الجزئي المحدّد لتلك التجارب، غير أ نّه ينطلق منه إلى ما هو أوسع وأعمق، إلى القانون العام …
والشيء نفسه يصدق على الإنسان الذي ينطلق من مجموعة الظواهر التي تدلّ على القصد والتدبير في الطبيعة إلى افتراض وجود مدبّر حكيم.
وقد استطاع المفكّر العظيم الصدر في كتاب «الاسس المنطقيّة للاستقراء» أن يثبت عبر دراسة معمّقة أنّ الاسس المنطقيّة التي يستند إليها أيّ استدلال علمي بالمنظور على غير المنظور، وبالمحدود على المطلق، وبالتجربة على القانون، هي نفس الاسس التي يقوم عليها الاستدلال على وجود المدبّر الحكيم عن طريق مجموعة ما يصادف الناس من ظواهر القصد والتدبير في الكون.
ثانياً: ويطرح النجّار مسألة الصراع بين الفلسفة الإلهيّة والفلسفة المادّيّة كالتالي: «من المعطى الأوّلي؟ هل الشعور أو المادّة؟ …».
ويعقّب على ذلك قائلًا:
«كان من الأفضل أن يجيب الصدر على هذا السؤال بأنّ المادّة هي المعطى