يقول لي: يا محمّد إيّاك وأن تنطق بكلمة ولو متّ تحت السياط. يقول: فاستعدت رباطة جأشي وقوّتي وحولي وطولي وصمّمت على أن لا أنطق مهما كلّف الأمر[1].
حمل هكذا إلى بيته بعد أن عجز الآخرون عن استنطاقه، ثمّ صودرت أملاكه، صودرت أمواله، كان بزّازاً تاجراً واسع النطاق في الثراء والمال، أصبح بين عشيّة وضحاها إنساناً فقيراً لا يملك شيئاً من تلك الأموال، يجلس في شرفة بيته يشتغل برواياته وأحاديثه.
قصّة نهب داره هي القصّة التي جعلتنا نخسر كثيراً من أسانيد روايات ابن أبي عمير. يقولون: إنّ السبب في أنّ أكثر روايات هذا الرجل العظيم كانت مراسيل هو أنّ كتب هذا الرجل العظيم كانت في جملة الأموال التي نهبت وصودرت من بيته من قبل الآخرين، ولهذا بقي ينقل ما علق بذهنه وكان لا يحفظ الأسانيد في كثير من الأحيان فكان يرسل، ولهذا كانت روايات ابن أبي عمير أكثرها مراسيل. يجلس في الشرفة ويتلهّى ويشتغل بالروايات التي عرفها وهو لم يشعر بنوع من الانهيار، كان لا يزال أقوى ما يكون صموداً، وثباتاً، واستبسالًا، واعتقاداً بأنّ خط الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام هو الخطّ الصالح الذي يجب على الإنسان- لكي يكون إنساناً صالحاً- أن يواصل الاستمرار فيه، والبذل له، والعطاء له بقدر ما يمكنه.
لم تجعله هذه المحنة يتململ، يتزعزع، ينحرف قيد أنملة عن وصايا وتعليمات الإمام جعفر بن محمّد الصادق. جاءه شخص عميل له من عملائه
[1] اختيار معرفة الرجال: 855؛ رجال النجاشي: 326- 327؛ منتهى المقال 5: 32؛ مستدركات أعيان الشيعة 1: 139