الحساب للرسالة لا لنفسه، وهذا الشعور هو الذي قد يتحرّك، هو الذي قد يتأرجح، هذا الذي قد يبدو في بعض الأحيان صعباً على الإنسان ما لم يؤته اللَّه التأييد، ذلك أنّ الإنسان الداعي بحكم عمله لا بدّ له أن يفكّر في مصالح ومفاسد هذا الطريق، لا بدّ له أن يفكّر تفكيراً إيجابيّاً في الدنيا؛ لأنّ الدنيا هي مجال عمله، وبهذا قد ينفتح له من هذه الإيجابيّة مشاعر ومشاعر، وقد ترد على قلبه انفعالات وانفعالات، وإذا به يخرج عن كونه ذلك الداعية المبلّغ الأمين الحامل للرسالة، قد يختلط عليه في أثناء الطريق المعنى الاسمي بالمعنى الحرفي، وقد ينقلب المعنى الحرفي عنده إلى معنى اسمي، وقد يتضاءل عنده المعنى الاسمي ويبرز الحرفي، قد يتعوّد عقله على التفكير في منطق المصالح والمفاسد، فيتحوّل هذا العقل إلى عقل مصلحي، كالعقل الذي يعيشه أصحاب الاتّجاه الأوّل.
انظروا أ يّها الأعزّة! ما هو قدر المسؤوليّة، وما هو قدر الحرج، ما هو مقدار ما يجب على الداعية أن يثبّت به نفسه لكي يتحصّن، ولكي يواصل طريقه بكلّ أمانة ودقّة ووضوح؟! إنّه في نفس الوقت الذي يفكّر بعقليّة المصالح والمفاسد يجب أن يجعل في نفسه هذه الحقيقة واضحة جليّة في كلّ حين، وهي: أ نّه إنّما يفكّر بهذه العقليّة لحساب الرسالة، وإنّما يفكّر بهذا المقياس لا لأنّ هذا المقياس هو مقياس نفسه، بل لأنّه هو مقياس لانتصارات الرسالة وتقدّم الرسالة، لا تقدّم ذاته وشخصه. وهنا قد يشتبه الحساب، هنا يجب على الداعية أن يراجع نفسه بين كلّ حين وحين، ويمتحن عمله، ويمتحن إقدامه، ويمتحن عقليّته، ويمتحن اتّجاهه التفكيري في المصالح والمفاسد، ليتأكّد في كلّ ساعة وفي كلّ وقت من أنّ اتّجاهه التفكيري في المصالح هو اتّجاه يقوم على أساس حمل الرسالة والأمانة، ولا يقوم على أساس الأشخاص، ولا يقوم على أساس آخر من الاسس النفعيّة التي يؤمن بها أصحاب الاتّجاه الأوّل ويعملون بها.