اللَّه تترى، لكن ماذا دهاه؟ ماذا دهاه حينما فتح اللَّه على المسلمين بلاد كسرى وقيصر، وكنوز كسرى وقيصر؟ ماذا دهى هذا الرجل المسكين؟ هذا الرجل المسكين ملأ قلبه حبّ الدنيا. كان يصلّي وكان يصوم، ولكن ملأ قلبه حب الدنيا حينما وقف في خيار واحد بين عثمان وعلي عليه السلام: إمّا أن يكون عثمان خليفة المسلمين وإمّا أن يكون علي خليفة المسلمين، وهو يعلم أ نّه لو أعطى هذه الخلافة لعلي لأسعد المسلمين إلى أبد الدهر، ولكنه يعلم أيضاً أ نّه حينما يعطيها إلى عثمان فقد فتح بذلك باب الفتن إلى آخر الدهر، يعلم بذلك وقد سمع ذلك من عمر نفسه أيضاً، ولكنه في هذا الخيار غلب حبّ الدنيا على قلبه. ضرب على يد عثمان وترك يد علي مبسوطة تنتظر من يبايع. جعل عثمان خليفة، وأقصى عليّاً عليه السلام عن الخلافة[1].
قد تقولون: إنّ هذه معصية، هذا كترك الصلاة؛ لأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله جعل علياً خليفة بعده بلا فصل.
هذا صحيح، تولّي علي بن أبي طالب أهمّ الواجبات، ولكن افرضوا- وفرض المحال ليس بمحال- لو أنّ رسول اللَّه لم ينصّ على علي بن أبي طالب، أكان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف مهضوماً؟ أكان هذا الموقف من عبد الرحمن بن عوف صحيحاً؟ لو تركنا كل نصوص الرسول، لو تركنا حديث الغدير[2]، حديث الثقلين[3]، لو تركنا كل ذلك، لكن بمنطق حبّ اللَّه وحبّ الدنيا، بمنطق الحرص على الإسلام، بمنطق الغيرة على الدين وعلى المسلمين، أكان هذا
[1] انظر: الإمامة والسياسة 1: 44- 45؛ البداية والنهاية 7: 146- 147
[2] انظر: الاستيعاب 3: 100؛ الكافي 1: 293
[3] معاني الأخبار: 90- 91، الأحاديث 1 و 2 و 3 و 4 و 5