ولا يفهّمهم أ نّه نظام مستقلٌّ بنفسه قائمٌ بذاته، حافلٌ بمحاسن الأنظمة الاقتصاديّة كلّها، وسالمٌ عن مساوئها ونقاط الضعف فيها.
وإنّما لقي الإسلام هذا الإهمال الكامل تنفيذاً لما أشرنا إليه مراراً من الخطّ السياسي العريض للاستعمار تجاه الإسلام والمسلمين. فقد شاء الأسياد المزعومون أن يفهّموا المسلمين أ نّهم فقراء إلى أفكار أوروبا وأنظمتها وطرائقها في الاجتماع والحياة وأ نّهم لا يملكون تفكيراً اجتماعيّاً خاصّاً ولا نظاماً ذا طابع مستقلّ، فألغوا من القاموس الفكري الذي حاولوا أن يضعوه لنا اسم الإسلام وأنظمته ليقولوا لنا في غطرسة وتعالٍ: نحن الأقوياء المفكّرون، وأنتم الضعفاء المقلّدون، فسيروا في ركبنا لنشقّ لكم الطريق، ونعبّد لكم السبيل، ونذلّل أمامكم الصعاب.
شاءوا أن يجوّعونا فكريّاً وماديّاً، فحرمونا من الغذاء الفكري والمادي الذي يقدّمه الإسلام للمسلمين. وإلّا فأين الجوع الفكري إلى مبادئ الغرب وأنظمة الأجانب إذا اهتدى المسلمون إلى الكنز، ووضعوا أيديهم على مفتاح السرّ للثروة الفكريّة الهابطة من السماء؟ وأين الجوع المادّي ونظام الإسلام يوازن بين أفراد الامّة ويضع لها وحدة تشريعيّة لاقتصاده، إذا طبّقت بمجموعها فهي كفيلة بالقضاء على سوء التوزيع، وعلى اختلال التوازن، وعلى الحاجة والفقر، وعلى التضخّم المالي الفظيع، وعلى كلّ حرّيّة فرديّة تضرّ بالامّة وعصبها الاجتماعي، ولا يتّسع هذا البيان لتفصيل تلك الوحدة التشريعيّة للاقتصاد الإسلامي بكلّ خطوطها.
وإنّما نريد التنبيه على أنّ ضمان الإسلام لحياة المعوزين من أفراد الامّة ليس مرتكزاً على أساس إحسان الأغنياء وأريحيّتهم ومدى تأثير النصائح والمواعظ فيهم كما يتوهّم بعض الناس، بل هو يرتكز على حقوق ثابتة في صميم