التي تمتدّ إلى ما وراء الحسّ، إلى ميادين العقل الخالص: «وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ»[1].
وفي ميدان الروح لا يعتبر الإنسانيّة وقفاً على اللذائذ الماديّة والشهوات الرخيصة كما هي في عرف المادّيّة الكافرة، ولا يهمل جانبها المادّي كما فعلت الأديان الروحيّة الخالصة، بل يضع للإنسانيّة قوانينها المهذّبة والمربّية على أساس أ نّها مزاج من المادة والمعنى: «وَ ابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَ لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا»[2].
وفي ميدان العمل يقيم الإسلام الحياة على مناهجه واسسه من الحقّ والعدل والخير والمساواة: «وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ»[3]، «وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى»[4].
هذا هو المفهوم الصحيح للإسلام الذي شعّ على الدنيا، فأقامها وأقعدها، وبنى امّة، فركّزها وأعزّها، وأنشأ مجتمعاً، فذابت في أضوائه جميع المشاكل التي تشكو منها المجتمعات الإنسانيّة.
وهذا هو مفهوم الإسلام الذي فهمه المسلمون الأوّلون عن النبي صلى الله عليه و آله فهماً صحيحاً، فاتّخذوه ديناً ومبدأً وعقيدةً ودستوراً وأخرجوه من نطاق العقيدة الخالصة إلى حقيقة حيّة في كيان الامّة كلّها، متمثّلة في الحياة الإسلاميّة بشتّى
[1] البقرة: 170
[2] القصص: 77
[3] الكهف: 29
[4] الأنعام: 152