الحجّ من الاستطاعة وغيرها، وكلّ واحد منّا مدعوّ للحجّ إلى رسالة مكّة بالمعنى الرمزي والمعنوي، سواء كان مستطيعاً أو لم يكن مستطيعاً، هذا الحجّ الآخر ليس من شرائطه الاستطاعة، إنّ رسالة مكّة تناديكم، تستنجد بكلّ واحد منكم بطاقة من طاقاتكم في سبيل الدفاع عنها، وفي سبيل حمايتها، وفي سبيل إيصالها إلى أكبر عدد ممكن من المسلمين.
اليوم أصبحنا نعيش في عصرٍ، الانحراف فيه عن رسالة مكّة هو القاعدة، والعود على رسالة مكّة هو الاستثناء، بعد أن تغيّر وضع العالم الإسلامي، العالم الإسلامي بعد أن خرج عن كونه كياناً قائماً على أساس الإسلام ودخل عصر الاستعمار الذي بناه على أساس القواعد الفكريّة الكافرة، صبغه بأنظمته الكافرة، دخل هذا العصر، وكان بدخوله في هذا العصر كان يواجه تحوّلًا كبيراً، في كلّ وجوده، في كلّ تركيبه العضوي، الروحي، الفكري، السياسي، الاجتماعي، فأصبحت القاعدة فيه هي جاهليّة الغرب، القاعدة فيه هي الانحراف عن اللَّه، هي الانقطاع عن السماء هي التمرّد على رسالة اللَّه، وأصبح الاستثناء فيه هو الطاعة، الاستثناء فيه هو الالتفات إلى مكّة، الالتفات إلى رسالة مكّة، إلى قيم مكّة ومُثُل مكّة، هذا أصبح هو الاستثناء.
وهذا معنى ما جاء في الصحيح عنهم عليهم السلام حينما تنبّؤوا أنّ المؤمن في عصور متخلّفة من عهد الغيبة سوف يصبح المؤمن القابض على دينه كالقابض على جمرة[1]، نعم المؤمن القابض على دينه كالقابض على جمرة، لأنّ هذا استثناء، لأنّ هذا شذوذ، أصبح القبض على الدين وأصبح التمسّك بالدين، أصبح الوقوف
[1] انظر: الوافي 26: 209، وفيه:« الصابر على دينه …»؛ مكارم الأخلاق: 450؛ بحار الأنوار 22: 454؛ مستدرك وسائل الشيعة 12: 330