العقلي- كما قلنا- لا يبحث أصلًا عن الفكر، وإنّما يبحث عن تلك الامور الواقعيّة من حيث دخالتها في عمليّة توليد الفكر للفكر، فأيُّ ربط لعلم المنطق بعلم النفس؟!
طريقتان لتوالد المعرفة البشريّة: موضوعيّة وذاتيّة:
كنّا بصدد الحديث عن المنطق العقلي الذي يتناول الامور الواقعيّة الأزليّة التي لها دخل في عمليّة توالد الأفكار من الأفكار، وطريقة التوالد الملحوظة في هذا المنطق هي طريقة التوالد الموضوعي، أي التوالد الناشئ من الارتباط بين المتعلّقات. وهذه الطريقة هي التي كانت معتمدة عند المنطق العقلي القديم، ولكنّها لا تفي بأداء رسالة علم المنطق بشكل كامل وتفسير المعرفة البشريّة.
وما نريد بيانه في الأبحاث الآتية هو أنّ هناك طريقتين لتوالد المعرفة:
إحداهما: الطريقة الموضوعيّة.
والثانية: الطريقة الذاتيّة.
وبيان ذلك: أنّ الفكرة تارةً تتولّد من فكرة اخرى على أساس الارتباط اللزومي بين موضوعي الفكرتين، واخرى على أساس التلازم والعلّيّة والسببيّة بين نفس الفكرتين[1].
ووظيفتنا المنطقيّة تختلف بين هاتين الحالتين: ففي باب التوالد الموضوعي- حيث تتولّد الفكرة من فكرة اخرى باعتبار الربط بين موضوعيهما واللزوم بينهما- يجب البحث حول تلك الامور الواقعيّة الأزليّة التي هي ملاك الربط بين نفس الأفكار الثابتة، سواءٌ وجد مفكّر أم لم يوجد، فنبحث عنها على
[1] انظر بهذا الصدد: الاسس المنطقيّة للاستقراء: 160- 162