لأ نّها لا ترجع إلى العقل الثالث ولا تمتّ إليه بصلة.
2- المقام الثاني: تطابق الواقع الموضوعي مع المعلوم بالذات:
وأمّا المقام الثاني، فقد ذكرنا أ نّنا نتناول فيه مطابقة الصورة بخصوصيّاتها مع الواقع الموضوعي.
ونحن عندما نصف الواقع الموضوعي بالبياض أو الحمرة وما إلى ذلك على أساس أ نّها حالات قائمة بمحسوساتنا بالذات، فهذه العمليّة مردّها إلى الوهم؛ لأنّنا في الحقيقة نسحب على المحسوس بالعرض (الواقع الموضوعي) ما هو محسوسٌ بالذات (الصورة المنقوشة). وهذا الوهم والخطأ ينحو إليه كلّ إنسان بسذاجته التي تملي عليه أنّ المحسوس في عالم الخارج هو المحسوس بالذات. وهذا الوهم قد يكون مستحكماً إلى درجة يصعب معها التغلّب عليه.
وما قلناه في ما سبق صحيح، إلّاأ نّني أحتمل الآن أنّ جملةً من هذه الخصوصيّات المحسوسة بالذات أيضاً يمكن إرجاعها إلى العقل الذاتي الذي يدرسه المنطق الذاتي، بمعنى أنّ جملة من خصوصيّات مطابقة الصورة المحسوسة للخارج ليست قائمة على أساس الوهم، بل على أساس الطريقة الذاتيّة في توالد الفكر، فتكون متولّدة من العقل الأوّل، لكن بالطريقة الذاتيّة في التفكير.
ولكنّ تحقيق هذا المطلب يحتاج إلى مزيد من التعب، وسوف نؤجّل البحث في تحقيق هذه الدعوى التي تحظى بأهمّيّة بالغة إلى ما بعد المقام الثالث، حيث نتحدّث عن شؤون العقل الذاتي وقوانينه. وسنستأنف تفكيراً وجهداً في معرفة المقدار الذي يمكن إثباته بالعقل الذاتي من خصوصيّات المطابقة، وما هو المقدار الذي لا يُمكن إثباته به.