الفرق بين الذمّة وبين العهدة:
وبهذا الترتيب الذي شرحنا به الذمّة يتبيّن الفرق بينها وبين العهدة؛ فالعهدة- كما أشرنا إليها في ما سبق- تشترك مع الذمّة في كونهما وعاءين اعتباريّين، إلّا أ نّهما يختلفان في طبيعة وظيفتهما الفقهيّة ودورهما ومضمونهما الاعتباري.
إنّني لم أجد فقهاً ميّز ما بين الذمّة والعهدة غير الفقه الجعفري، وهذا التمييز من ألطف التمييزات التي وجدتها في الفقه الجعفري، إلّاأ نّه لم يكتسب صيغةً دقيقة على أيدي فقهاء الجعفريّة.
ولعلّ من أشهر الصيغ التي قيلت في مقام التمييز بين الذمّة وبين العهدة ما ذكره المحقّق النائيني رحمه الله[1]، من أنّ العهدة وعاءُ الأعيان الخارجيّة، فيما الذمّة وعاء الأموال الكلّيّة، وقد أخذ ذلك من ارتكاز باب الضمان؛ حيث يقال للغاصب هناك حينما يغصب الكتاب وقبل أن يتلفه: «إنّ هذا الكتاب في عهدتك»، أمّا بعد إتلافه له، فيقال له: «إنّ قيمته في ذمّته». وللتمييز بين التعبيرين قال الميرزا النائيني رحمه الله: إنّ العين قبل أن تتلف تكون عيناً خارجيّة وشخصيّة، فيعبّر عنها بأ نّها في العهدة، فالعهدة ظرفٌ للعين. أمّا بعد التلف، فينتقل المال من العين الخارجيّة إلى الأمر الكلّي، وهذا الأمر الكلّي يعبّر عنه ب (الذمّة).
إذن: فالذمّة وعاء الكلّيّات، بينما العهدة وعاء الشخصيّات. وأظنّ أنّ هذا التعبير هو الذي نقل ذهن الميرزا النائيني رحمه الله إلى مثل هذه الصيغة في التفرقة
[1] منية الطالب في شرح المكاسب 1: 308؛ المكاسب والبيع( النائيني) 1: 352؛ وانظر: حاشية كتاب المكاسب( الإصفهاني) 2: 313، 325 و 3: 110