إلى هنا نكون قد انتهينا من بيان مقدّمات البحث، ولنشرع في أصل الموضوع.
نطاق المعرفة التي يبحثها المنطق الذاتي:
إنّ المعرفة الناجمة عن الطريقة الذاتيّة في التفكير تنتمي إلى ميدان الحسّ والتجربة؛ فنحن نعرف أنّ الصورة المحسوسة التي تحصل لدى الإنسان لها جانبان: أحدهما يرجع إلى العلم الحضوري، والآخر إلى العلم الحصولي.
أمّا ما يرجع إلى العلم الحضوري فأصلُ وجود هذه الصورة، إضافةً إلى خصوصيّاتها المحسوسة بالذات، وهذا كلّه ممّا لا علاقة للمنطق الذاتي به.
كما لا علاقة له بالمقدار الذي يعترف به العقل من مطابقة الصورة المحسوسة مع الواقع، بل هو من وظيفة العقل الأوّل والعقل الثاني.
وهناك علاقات وروابط قائمة بين الأشياء الخارجيّة المحسوسة يمكن إثبات قسم منها بالبرهان أيضاً.
فمثلًا: عندما يحسّ الإنسان بالماء، ثمّ يحسّ مرّة اخرى به، ويرى تماثل هاتين الصورتين المحسوستين بالذات، فيستكشف حينئذٍ أنّ ما ترمز إليه هذه الصورة هو نفس ما ترمز إليه تلك من حيث الجنس والنوع، ولا يحتمل أن يكون ما أثار الصورة الاولى عبارة عن سائل حار، بينما أثار الثانية جسمٌ كقرص الشمس، بحيث يكون التفاوت بين الصورتين كالتفاوت بين قرص الشمس وبين البحر. هذا الاحتمال لا يسمح العقل بافتراضه؛ باعتبار إيمانه بلزوم السنخيّة بين الرمز وذيه، وعن طريق هذا الإيمان يعرف التماثل والتقارب.
وأحياناً اخرى يدرك التغاير والتباين، لا التماثل، كما لو رأى إنساناً ثمّ رأى ذئباً، ففي هذه الحالة لا يحتمل أنّ ما رآه في الحالة الاولى هو ما رآه في