ويتمّ ذلك من خلال تبديل جميع المفصّلات بالمبهمات. وبعبارة اخرى: تبديل جميع المواد بالرموز، وذلك عبر قطع النظر عن خصوصيّة المادّة. وأفضل طريقة لتحقيق ذلك تتأتّى عبر إهمال ذكر (العالم) و (التغيّر) و (الحدوث)، ونأتي في مقابل ذلك بالرموز التي تتناسب مع كلّ مادّة من المواد التي يتصوّرها العقل، فنقول: (أ) هو (ب)، و (ب) هو (ج)، إذن: (أ) هو (ج). وفي هذه الحالة نكون قد طبّقنا القياس نفسه، إلّاأ نّنا قطعنا النظر عن مواده وصيّرناه رموزاً صرفة.
ونلاحظ في هذه الحالة أ نّه لم يبق من الفكر إلّاصورته وشكله، أمّا مضمونه فلم يعد موجوداً؛ لأنّه لا مطابق له في عالم الخارج، ولكنّه في الوقت نفسه احتفظ بالصورة نفسها التي كانت موجودة في قولنا: «العالم متغيّرٌ، وكلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث». فهاتان الصورتان متطابقتان من حيث الإيجاب والسلب، ومن حيث الكلّيّة والجزئيّة، ومن حيث الشرطيّة والحمليّة، إلى غير ذلك من الجهات والمقولات المنطقيّة .. غاية الأمر أنّ إحداهما صيغت على أساس الرموز، والاخرى على أساس المواد الخارجيّة.
وظيفة علم المنطق:
بعد التمييز بين صورة الفكر وبين مادّته، قالوا: إنّ مواد الفكر على قسمين: فمنها الأوّلي، ومنها الثانوي[1]، والأوّلي لا يحتاج إلى تأسيس علم لمعرفته؛ لأنّه أوّلي، وأمّا الثانوي فتتكفّل بتمييز صوابه عن خطئه هذه العلوم التي اسّست في الدنيا؛ فإنّ كلّ علم ينال حظّاً ونصيباً من هذه العلوم الثانويّة
[1] راجع مثلًا: تحرير القواعد المنطقيّة في شرح الرسالة الشمسيّة: 52