الفائدة العمليّة للمنطق الذاتي:
وقبل الدخول في موضوع بحثنا، تبقى مسألة لا بدّ من بيانها، وهي ترتبط بالفائدة العمليّة المرجوّة من المنطق الذاتي: فالمنطق الذاتي- على ضوء ما عرفناه حتّى الآن- يأخذ على عاتقه بيان وتوضيح قوانين الطريقة الذاتيّة في توالد المعرفة، فهل لذلك فائدة ترتجى في عصمة ذهن الإنسان وصيانته عن الوقوع في الخطأ في الفكر كما هو الحال لدى أصحاب المنطق البرهاني بحسب ما يدّعونه[1]؟! فإنّ فائدة المنطق البرهاني تكمن في أنّ مراعاة قوانينه تعصم الذهن عن الوقوع في الخطأ، أو بتعبير متواضع وصحيح: تحدّ من الأخطاء وتقلّل منها، وهذا ما عبّرنا عنه بالفائدة العمليّة.
أمّا آليّات هذه العمليّة وكيفيّة مساعدة هذا المنطق على الحدّ من الأخطاء، فبتزويده الإنسان بالقدرة على التمييز بين الوهم وبين العقل، أي بالقدرة على إبطال القضايا التي تنشأ من الوهم. وسنستعرض في البحوث المقبلة كيف أنّ الوهم هو أحد مناشئ الخطأ الذي يقع فيه الإنسان.
إذن: الوهم يجرّ الإنسان في كثيرٍ من الأحيان إلى الوقوع في كثيرٍ من الأخطاء، ووظيفة منطق البرهان إزاء ذلك تزويد الإنسان بالقدرة على التمييز بين العقل وبين الوهم، وذلك عبر تزويده بصناعة البرهان التي تخوّله ترتيب المقدّمات، واستدراج الوهم بالنحو الذي ذكرناه سابقاً، إلى أن ينتهي إلى دفعه، وذلك من خلال البرهنة على بطلان ما انتهى إليه.
هذه فائدة مهمّة سجّلت لمنطق البرهان.
[1] راجع: المنطقيّات للفارابي 3: 434؛ الرسالة الشمسيّة: 3؛ كتاب التعريفات: 102