لو نقلنا الحديث من التاءات نفسها إلى مقتضياتها، فنكرّر الكلام في المقتضيات إلى أن نصل إلى المقتضيات الذاتيّة الأوّليّة التي لا يتصوّر التمانع في ما بينها.
وأمّا البرهان الثاني على إبطال دعوى الشيخ الرئيس فيقوم على إبطال الشقّ الثاني من الدعوى ووجهها الثاني لا الأوّل، وقد أشرنا سابقاً إلى أنّ العلم الإجمالي بعدم اجتماع التاءات في تمام الصور يرجع إلى أحد ملاكين:
فهو تارةً يكون بملاك المانعيّة بين هذه التاءات، كما هو الحال في علمنا الإجمالي بعدم اجتماع السواد والبياض على موضوع واحد في زمان واحد.
واخرى يكون بملاك أنّ فرداً معيّناً محدّداً في علم اللَّه تعالى مفقودٌ وممتنعٌ، وحيث إنّ هذا الفرد مشتبه مع غيره ولا يتميّز عنه، فيتشكّل في هذه الصورة العلم الإجمالي بفقدان البعض وامتناع البعض، كما لو فرض أ نّنا اخبرنا من قبل الشخص الصادق بأنّ أحد الشخصين الحيّين قد مات، فهنا يتشكّل علم إجمالي بأنّ أحدهما مات ولم يبق حيّاً، وذلك لا للتمانع الذاتي بين حياة أحدهما وحياة الآخر، بل لأنّه قد ثبت امتناع وفقدان حياة أحدهما، غاية الأمر أنّ إجمال كلام الصادق أوجب اشتباه هذا الفرد المعيّن من الحياة، هل هو حياة زيد أو حياة عمرو، فيتشكّل لا محالة العلم الإجمالي بأنّ أحدهما ميت.
وإلى الآن كنّا نتحدّث عن إبطال دعوى العلم الإجمالي بملاك المانعيّة، وسننتقل الآن إلى الحديث عن إبطال دعوى العلم الإجمالي بالملاك الثاني.
الفارق بين العلم الإجمالي بالملاكين:
ولكن قبل أن نوضّح هذا البرهان، يجب أن نميّز بدقّة ووضوح الفوارق بين هذين الوجيهن لتصوير العلم الإجمالي من حيث النتائج والآثار؛ إذ على ضوء هذه النتائج والآثار نبرهن حينئذٍ على البطلان والإبطال، والعلم الإجمالي