لا يمكن أن يتحقّق ما لم تحدّد حركة الاجتهاد معالم النظريّة وتفاصيلها.
ولكي ندرك أبعاد الهدف بوضوح، يجب أن نميّز بين مجالين لتطبيق النظريّة الإسلاميّة للحياة:
أحدهما: تطبيق النظريّة في المجال الفردي بالقدر الذي يتّصل بسلوك الفرد وتصرّفاته.
والآخر: تطبيق النظريّة في المجال الاجتماعي، وإقامة حياة الجماعة البشريّة على أساسها بما يتطلّبه ذلك من علاقات اجتماعيّة واقتصاديّة وسياسيّة.
وحركة الاجتهاد من حيث المبدأ ومن الناحية النظريّة وإن كانت تستهدف كلا مجالي التطبيق؛ لأنّهما سواء في حساب العقيدة، ولكنّها في خطّها التاريخي الذي عاشته على الصعيد الشيعي كانت تتّجه في هدفها على الأكثر نحو المجال الأوّل فحسب، فالمجتهد- خلال عمليّة الاستنباط- يتمثّلُ في ذهنه صورة الفرد المسلم الذي يريد أن يطبّق النظريّة الإسلاميّة للحياة على سلوكه، ولا يتمثّل صورة المجتمع المسلم الذي يحاول أن ينشئ حياته وعلاقاته على أساس الإسلام.
وهذا التخصيص والانكماش في الهدف له ظروفه الموضوعيّة وملابساته التاريخيّة، فإنّ حركة الاجتهاد عند الإماميّة [قاست] منذ ولدت- تقريباً- [عزلًا] سياسيّاً عن المجالات الاجتماعيّة للفقه الإسلامي نتيجة لارتباط الحكم في العصور الإسلاميّة المختلفة وفي أكثر البقاع بحركة الاجتهاد عند السنّة، وهذا العزل السياسي أدّى تدريجيّاً إلى تقليص نطاق الهدف الذي تعمل حركة الاجتهاد عند الإماميّة لحسابه، وتعمّق على الزمن شعورها بأنّ مجالها الوحيد الذي يمكن أن تنعكس عليه في واقع الحياة وتستهدفه هو مجال التطبيق الفردي. وهكذا ارتبط الاجتهاد بصورة الفرد المسلم في ذهن الفقيه لا بصورة المجتمع المسلم.