ننفذ بمفاهيم الإسلام إلى أعماق قلوب العموم من المسلمين، ونقتلع من صميمها جميع المفاهيم الخاطئة من مخلّفات العهد الاستعماري الذي قوّضته ثورة العراق الجبّارة بقيادة الزعيم الكريم الموفّق، فإنّ ذلك العهد الفظيع كان يغذّي فكريّة الامّة بما يحلو له من سموم، وبما يتّصل بمصالحه وكيانه من مفاهيم، فضرورة الإسلام اليوم تدعو إلى بعث الفكر الإسلامي بعثاً جديداً يطهّره من تلك السموم المدسوسة، وينقّيه من تلك المفاهيم الاستعماريّة الدخيلة.
ومن أخطر تلك المفاهيم على كيان المسلمين ما نشأ في ظلّ العهد الاستعماري من مفهومٍ خاصٍّ للسياسة في ذهن عامّة الناس من الامّة، وشجّع الاستعمار على تركيزه وتقويته، فإنّ السياسة الاستعماريّة لمّا كانت حاشدة بالمكر والخديعة وزاخرة بالختل والأكاذيب اتّخذت لها إطاراً مشوّهاً، فصار كثيرٌ من المسلمين لا يفهمون من السياسة إلّاالالتواء واغتصاب الحقوق وانتهاك حرمات الامّة وكرامتها.
ولمّا تركّز هذا المفهوم في أذهانهم انبثقت عنه فكرة التباين بين السياسة والإسلام، وصاروا ينظرون إلى السياسة كأ نّها أبعد الأشياء عن واقع الإسلام وجوهره، لأنّ الإسلام دينٌ طاهر من تلك الأدناس التي شاعت في الجوّ السياسي الموبوء على يد الاستعمار، ومن الطبيعي أن يكون مفهوم السياسة من أبعد المفاهيم عن الإسلام إذا كان معنى السياسة هو التلاعب والاحتيال.
وقد ارتاح المستعمرون كلَّ الارتياح لهذه المباينة التي قامت في فكر العامّة من الامّة بين حقيقة الإسلام وواقع السياسة، وحاولوا أن يزيدوا في هذه الشقّة بينهما في الأذهان لئلّا يحاول الإسلام بعد ذلك أن ينهض بالمسلمين على يد قادته المخلصين لمحاربة الاستعمار، ومقاومة طغيانه السياسي والوقوف في