تشير إلى أنّ التغيير الاجتماعي للبشريّة إنّما يتحقّق عن طريق تغيير ما بالنفوس البشريّة، أي بتغيير المحتوى الداخلي للإنسان من أفكار ومشاعر.
فالكيان الفكري والروحي للإنسانيّة هو العامل الرئيسي في البناء والتجديد في تاريخ المجتمعات .. وهذا بالضبط سرّ الانقلاب الكبير الذي أحدثه الإسلام في الامّة، التي لم يكن لها نصيب من السياسة ولا وجود في المجال الدولي، ولم تكن تعرف للحياة معنى غير التفاخر والتغالب، حتّى أ نّها كانت لتضيق بفكرة الوحدة القوميّة لشدّة تحكّم الروح القبليّة في نفوسها. وإذا بهذه الامّة بالذات تصبح سيّدة امم الأرض، ومالكة الزمام في الموقف الدولي، والمبشّرة المثاليّة برسالة عالميّة لا تعترف بالحدود القوميّة، فضلًا عن الحدود القبليّة. وقد تمّ كلّ هذا الانقلاب في فترة قصيرة لم يتغيّر فيها شيء من الظروف الماديّة، ولم يكن سببه إلّاإحداث التغيير في المحتوى الداخلي الفكري والشعوري للُامّة. وهذا التغيير هو الذي يعبّر عنه اللَّه تعالى بالتزكية والتعليم في قوله: «لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ»[1].
[1] آل عمران: 164