من حالات. كان لا بدّ إذن من تأصيل للشخصيّة الإسلاميّة ومن زرع بذور الاجتهاد، وهذا ما قام به الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام، فقد بدأ حلقة من البحث والدرس في مسجد الرسول صلى الله عليه و آله يحدّث الناس بصنوف المعرفة الإسلاميّة من تفسير وحديث وفقه، ويفيض عليهم من علوم آبائه الطاهرين، ويمرّن النابهين منهم على التفقّه والاستنباط، وقد تخرّج من هذه الحلقة عدد مهمّ من فقهاء المسلمين، وكانت هذه الحلقة هي المنطلق لما نشأ بعد ذلك من مدارس الفقه والأساس لحركته الناشطة.
وقد استقطب الإمام عن هذا الطريق الجمهور الأعظم من القرّاء وحملة الكتاب والسنّة، حتّى قال سعيد بن المسيّب: «إنّ القرّاء كانوا لا يخرجون إلى مكّة حتّى يخرج عليّ بن الحسين، فخرج وخرجنا معه ألف راكب»[1].
وأمّا الخطر الآخر: فقد نجم عن موجة الرخاء التي سادت المجتمع الإسلامي في أعقاب ذلك الامتداد الهائل، لأنّ موجات الرخاء تعرّض أيّ مجتمع إلى خطر الانسياق مع ملذّات الدنيا والإسراف في زينة هذه الحياة المحدودة وانطفاء الشعور الملتهب بالقيم الخلقيّة والصلة الروحيّة باللَّه واليوم الآخر، وبما تضعه هذه الصلة أمام الإنسان من أهداف كبيرة، وهذا ما وقع فعلًا، وتكفي نظرة واحدة في كتاب الأغاني لأبي الفرج الإصبهاني ليتّضح الحال.
وقد أحسّ الإمام عليّ بن الحسين بهذا الخطر وبدأ بعلاجه، واتّخذ من الدعاء أساساً لهذا العلاج. وكانت الصحيفة السجّاديّة التي بين يديك من نتائج ذلك، فقد استطاع هذا الإمام العظيم بما اوتي من بلاغة فريدة وقدرة فائقة على أساليب التعبير العربي وذهنيّة ربّانيّة تتفتّق عن أروع المعاني وأدقّها في تصوير
[1] بحار الأنوار 46: 149