فليس الحكم في مفهوم عليّ عن الإسلام ذريعة من ذرائع الثراء المحرّم والجاه العريض، ولا أداة للقهر والغلبة والاستيلاء، ولا وسيلة من وسائل التخمة والدعة وإشباع الحفدة والأنصار، ولا جهازاً يتملّق لطائفة أو تستأثر به فئة على حساب الآخرين، وإنّما هو حكومة الحقّ والعدل والتطبيق النزيه لأحكام اللَّه على العباد، فإذا فقد ذلك كان صفراً في حساب عليّ والإسلام. ولذلك قالها الإمام صريحة مدويّة في وجوه اولئك الذين كانوا يزعمون أ نّهم ينصحونه بشيء من اللين والانحراف، قالها لتخلد في تاريخ الإسلام كلمات مشرقة بالنور عامرة بأسمى مثل العدالة: «أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن ولّيت عليه، واللَّه ما أطور به ما سمر سمير وما أمّ نجم في السماء نجماً»[1]؛ ذلك لأنّ حكومة الإسلام هي حكومة العدل والحقّ والقسط، فإذا قامت على أساس من الجور فقدت معناها الإسلامي الذي هو كلّ قيمتها في نظر عليّ العظيم.
وحدّد عليه السلام مسؤوليّته تجاه رعيّته ومدى مشاركته لهم في جشوبة العيش ومكاره الدهر، فقال: «هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة، ولعلّ بالحجاز وباليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى أو أكون كما قال القائل:
| وحسبك داءً أن تبيت ببطنةٍ | وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ | |
أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا اشاركهم في مكاره الدهر أو أكون اسوة لهم في جشوبة العيش»[2].
وهكذا أفهم الإمام عليه السلام الامّة أ نّه آخر من ينبغي أن يشبع في رعيّته، وليس
[1] نهج البلاغة: 183، الخطبة 126
[2] نهج البلاغة: 417- 418، الرسالة 45