بقياس، لا من سنخ القضايا الأوّليّة؛ لأنّ العقل لا يصدّق بها بمجرّد تصوّر طرفيها، بل يوسّط ما لا يكاد يغيب عن الذهن، إلى درجة أنّ العقل يخطو معه إلى النتيجة بدون فاصل زمني أو تأمّل.
وإمّا أن نقول: إنّ القضيّة المحسوسة قضيّة جزئيّة لا كلّيّة، والعقل لا يحكم بأنّ كلّ محسوس موجود على نحو القضيّة الكلّيّة، بل يحكم بأنّ هذا موجودٌ على نحو القضيّة الجزئيّة؛ وذلك أنّ الإحساس يوجِد في الإنسان التصديق، وهذا قانون جعله اللَّه تعالى في الحسّ كما جعل النار موجدةً للحرارة، بحيث ينصبُّ القطع على قضيّة جزئيّة من أوّل الأمر.
وهناك عدّة فوارق ظاهرة بين هذين التصويرين، أحدها: أ نّنا إذا فرضنا أنّ القضيّة المحسوسة عبارة عن تلك القضيّة الكلّيّة العامّة كما ذكرنا، فيصدق بهذا أنّ معارف العقل الأوّل كلّها معارف شرطيّة وإجماليّة ومعلّقة، وليست معارف وجوديّة بحسب مصطلح العصر الحديث، أو تنجيزيّة بحسب اصطلاحنا في علم الاصول؛ بمعنى أنّ جميع معارف العقل الأوّل ترجع إلى قضايا إجماليّة أو قضايا شرطيّة؛ فإنّ «الاثنين نصف الأربع» معرفة شرطيّة وليست معرفة وجوديّة، بمعنى أ نّه لو وجد شيء وكان اثنين، فسيكون نصف الأربعة. وهذه القضيّة لا تنبئ عن شيء في عالم الوجود بالفعل، وإنّما تنبئ عنه على نحو القضيّة الشرطيّة، وهكذا قولنا: «الجزء أصغر من الكل».
وهذا الأمر يجري حتّى في القضايا المحسوسة؛ لأنّنا أرجعنا حكم العقل الأوّل في القضايا المحسوسة إلى قضية كلّيّة، والقضيّة الكلّيّة قضيّة شرطيّة، بمعنى أنّ الإنسان إذا أحسّ بشيءٍ من عالم الخارج، فهذا يعني أنّ ما أحسّ به موجودٌ في ذلك العالم.
إذن: العقل الأوّل لا ينبئ عن معرفة وجوديّة، وإنّما ينبئ عن امور