نعم، يبقى في المقام ثغرة تتعلّق بالحسّيّات، وهي القضايا المحسوسة[1]؛ فإنّه بعد الفرض بأنّ التصديق بأصل المحسوس أمر ضروري ومن قضايا العقل الأوّل، لا بدّ من التساؤل حول طبيعة القضيّة التي يدركها الحسّ، هل هي قضيّة جزئيّة؟ أم قضيّة كلّيّة على نهج الأوّليّات والفطريّات والقوانين العامّة التي وقفت خلف تفسير التجربيّات والحدسيّات والمتواترات؟ ومرادنا من القضيّة الكلّيّة هو أنّ العقل متى ما أحسّ بشيءٍ موجود، فهذا يعني بالملازمة [التطابق والتشابه بين الصورة المحسوسة والواقع الموضوعي][2].
فإذا قلنا بوجود هذا الحكم الكلّي- وهو التطابق بين الصورة المحسوسة وبين الواقع الموضوعي- فسينفتح الباب أمام الإشكال الذي تقدّم سابقاً لدى الحديث عن المتواترات والتجربيّات؛ لأنّ الحكم بوجود هذا المحسوس في الواقع الموضوعي ليس حكماً أوّليّاً، بل مستنبطاً وفق موازين الصيغة القياسيّة، وذلك بأن نقول: إنّ كلّ محسوس موجود (الكبرى)، وهذا محسوسٌ (الصغرى)، فهذا موجود.
ونحن نلاحظ أنّ الحكم بوجود المحسوس في عالم الخارج سيكون حينئذٍ من سنخ القضايا الفطريّة التي تكون قياساتها معها ويُمكن البرهنة عليها
[1] الصحيح هو التعبير عنها ب( المحسوسات) كما تقدّم منه قدس سره في أوّل البحث وفي( الاسس المنطقيّة للاستقراء: 470) وفي( بحوث في علم الاصول، عبد الساتر 8: 337)، لا ب( الحسّيّات) كما عبّر هنا وفي( بحوث في علم الاصول، الهاشمي 4: 131)؛ فإنّ الحسّيّات أخصّ منها؛ لأنّها خصوص ما يعتمد على الحسّ الظاهر من المحسوسات، في مقابل الوجدانيّات، فراجع: الحاشية على تهذيب المنطق: 111
[2] في عبارة المحاضرة المدوّنة اضطراب، وما بين عضادتين من: الاسس المنطقيّة للاستقراء: 530