عن طريق إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب، من قبيل حصول العلم بوجود الكعبة لدى إخبار جماعة عن وجودها بعد فرض امتناع تواطئهم على الكذب.
فهنا في الواقع حكمان عقليّان: أحدهما يستند إلى الآخر. والأوّل هو حكم العقل بوجود الكعبة. إلّاأنّ هذا الحكم مستند إلى حكم عقلي آخر سابق عليه، وهو استحالة تواطؤ الجماعة على الكذب.
ومن هنا يظهر الفرق بين المحسوسات والمتواترات: ففي المحسوسات يستند العقل في حكمه إلى الإحساس، بينما يستند هنا إلى حكمٍ عقلي آخر هو امتناع التواطؤ على الكذب.
وعلى هذا الأساس فنحن لا نعدّ القضايا المتواترة من القضايا الأوّليّة؛ لاستنادها إلى حكم عقلي آخر سابق عليها، ولكنّنا سنبرهن في الأبحاث الآتية أنّ الحكم العقلي السابق هذا هو بدوره ليس حكماً عقليّاً أوّليّاً، وإنّما هو ناتجٌ عن الطريقة الذاتيّة في التفكير.
5، 6- يبقى التعليق على التجربيّات والحدسيّات، حيث الحكم في كلتا الحالتين قائمٌ على أساس تكرّر المشاهدة والممارسة بحيث يمتنع معه الاتّفاق[1]. وهنا يأتي نفس ما سجّلناه على المتواترات؛ لأنّ هذا التعريف يفترض وجود حكم عقلي سابق باستحالة الاتّفاق عند تكرّر المشاهدة[2]،
[1] انظر: القواعد الجليّة في شرح الرسالة الشمسيّة: 396؛ المنطق( المظفّر): 333، 334، وقد فرّقت بعض المصادر بين المجرّبات وبين الحدسيّات على أساس أنّ الحدسيّات لا تحتاج إلى تكرّر المشاهدة، فراجع: تحرير القواعد المنطقيّة: 459
[2] راجع: شرح الإشارات والتنبيهات 1: 217؛ شرح حكمة الإشراق: 122؛ الجوهر النضيد: 201